هل تخلت طائرات الأسد عن الجنود المغاربة في حرب 1973؟

 

هل تخلت طائرات الأسد عن الجنود المغاربة في حرب 1973؟
لحسن العسبي*

لو صدقت كل المعلومات التي بدأت تطل برأسها بعدد من الصحف، حول ملفات مرتبطة بنظام الأسد (الأب قبل الإبن)، فإن أسرارا مثيرة عدة قد ترى النور، بعد سقوط نظام الحزب الوحيد في دمشق، هو الذي سقط أصلا من النواحي السياسية والحقوقية والأخلاقية، بسبب الجريمة اليومية التي ترتكب هناك، في بلاد بردى وبلاد أبي العلاء المعري ونزار قباني، ضد المتظاهرين العزل، المطالبين بإسقاط النظام.

ولو صدقنا تقارير صحفية، ومقالات تحليلية نشرت في يوميات “الشرق الأوسط” (خاصة كتابات صالح القلاب) و”الحياة” اللندنيتان و “المصري اليوم” القاهرية، وكذا كتابات سابقة للصحفي المصري حسنين هيكل، خاصة في مجلته “وجهة نظر” (1)، فإن أكثر الملفات حساسية وإثارة وخطورة، تلك المتعلقة بعلاقة نظام الأسد مع إسرائيل. فمما يسجل في دفاتر الأيام، هناك، كمثال فقط، أن المسؤول العسكري، حافظ الأسد، من موقعه كوزير للدفاع حينها بدمشق، قد أصدر بلاغا بسقوط مدينة القنيطرة والجولان في يد الجيش الإسرائيلي 48 ساعة قبل سقوطهما الفعلي في حرب 1967، مما كان يعتبر عنوانا على خطأ عسكري يستوجب المساءلة، أو كما قال صالح القلاب في شهادة له بيومية “الشرق الأوسط” (عدد الخميس 4 غشت 2011 ): “وإلا لكانوا ألقوا القبض على وزير الدفاع، الذي أسقط مدينة القنيطرة ببلاغ عسكري استباقي قبل أن تسقط بأكثر من 48 ساعة، ولحاكموه بتهمة التفريط إن ليس بتهمة الخيانة العظمى”. مثلما أن دور المخابرات السورية، والعسكرية منها على وجه التحديد، التي تعتبر تاريخيا الذراع الكبرى لحافظ الأسد للوصول إلى الحكم في سنة 1970 وتصفية كل معارضيه بوحشية وشراسة، كان كبيرا في محاولة لجم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، ترضية لتل أبيب وتقربا من واشنطن. والمثير أن ذات النظام، كان يعتمد خطابا تخوينيا للزعيم الفلسطيني، بدعوى أنه يفرط في “طهرانية القضية الفلسطينية وقداستها”، والحال أن العديد من الوقائع الميدانية تؤكد العكس. بل إن حرب الإستنزاف ضد إسرائيل، التي ساهمت فيها منظمة التحرير الفلسطينية بقوة، كانت تجد لها مسارب سالكة من الجبهة المصرية (بفضل وطنية جمال عبدالناصر)، ومن الجبهة الأردنية قبل أن تقع مواجهات ومذابح عجلون سنة 1970، التي تدخل فيها الجيش الأردني ضد المقاتلين الفلسطينيين في أكبر مخيماتهم حينها بالعالم العربي (والسبب في قوة هذه الجبهة راجع إلى القرابة العائلية والدموية الواسعة، القائمة بين أغلبية الشعب الأردني والشعب الفلسطيني)، ولم تكن تجد لها ذات الحرية الكاملة في التحرك من الجبهة السورية بعد وصول حافظ الأسد إلى الحكم.

مثلما أن ذاكرة الأيام، ستظل تحتفظ بالمجازر الرهيبة التي ارتكبت ضد الفلسطينيين في مخيمات تل الزعتر سنة 1976 ثم حصارهم بطرابلس اللبنانية من قبل القوات السورية، في بداية الثمانينات، مباشرة بعد حصارهم في بيروت من قبل الجنرال شارون وتنفيذه مجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982، بعد إخراج المقاومة الفلسطينية منها بزعامة ياسر عرفات. فكان أن أكملت دمشق الأسد في الشمال اللبناني ما بدأته الآلة العسكرية السورية شهورا قليلة من قبل في بيروت وجنوب لبنان. وظل التواجد العسكري السوري في لبنان ملغزا، لأن حقائقه، لو كشفت كلها ستكون قنابل إعلامية وسياسية جد مثيرة. مع تسجيل أن مذبحة حماة السورية في سنة 1982 قد توازت مع ذات المذابح التي ارتكبت ضد الفلسطينيين في طرابلس اللبنانية.

وأمام التطورات الفظيعة التي تحدث اليوم في سوريا، وكل تلك الهمجية التي تمارس ضد المدنيين العزل، من خلال قصف مدن وأجياء سكنية بالمدافع والتمثيل بالجتث ورميها في نهر العاصي، من قبل “شبيحة النظام” الذين يمارسون القتل بطرق وحشية جد مقززة، ويتلعون على رؤوس وأجساد المعتقلين المكبلين، في واحدة من أكثر المشاهد خرقا لحقوق الإنسان، تعود لأزمنة العصور الوسطى الظلامية.. أمام كل ذلك، فإن هناك من يذهب إلى حد اتهام واشنطن، اليوم، أنها متلكأة في حسم مواقفها العملية ضد النظام السوري القائم، عكس باريس وأنقرة، بسبب الخدمات التي ظل يقدمها ذلك النظام، عمليا، في اتجاهي تل أبيب وطهران.

إن أكبر ما يقلق إسرائيل، اليوم، استراتيجيا وأمنيا هو مآل هضبة الجولان، وفي القلب منها “جبل الشيخ”، المطل على تل أبيب جنوبا وعلى دمشق شمالا. لأن من يتحكم في ذلك الجبل الإستراتيجي، سوف يتحكم في أمن ومصير العاصمتين معا من الناحية العسكرية. مثلما أن منابع ومجاري مياه الليطاني السورية اللبنانية، وكذا فروع نهر العاصي القادم من تركيا والعابر لسوريا، تعتبر الشريان التاجي لمصادر المياه اليوم في إسرائيل وكذا لحقول الفلاحة بالجليل وصولا حتى زيتون جبل الكرمل بفلسطين. بالتالي فإن ملف الجولان إسرائيليا ليس هو ملف سيناء المصرية، بل إنه ملف أكثر حيوية وخطورة من الناحية الأمنية عندهم، في أبعاد الأمن العسكرية والغدائية والمائية. وحروب المستقبل في الشرق الأوسط ستكون حروب مياه ونزاعات مياه، وهذا في القريب المنظور جدا، بسبب الشح المسجل هناك في منسوب المياه. وأكثر البلاد التي ستتنازع مصادر المياه هي تركيا (التي تخطط لسدها العالي في جبال الأناضول) وسوريا والعراق ولبنان والأردن وإسرائيل.

مغربيا، في ظل هذه التطورات المتلاحقة ببلاد الشام الكبرى، من خلال التطورات المسجلة في سوريا، فإن قصة “جبل الشيخ” الإستراتيجي هذا، تعنينا كثيرا كمغاربة. وتهمنا أخباره في التاريخ وفي ذاكرة الأيام، لأنه يضم جزء من أسرار لنا بها مصلحة وطنية عالية. ولربما ستكون واحدة من أخطر وأهم وأكبر الأسرار التي قد تتضح حقائقها في القادم من الأيام، مع التحول الذي يفرضه الشعب السوري هناك، بفاتورة غالية للدم. ذلك أنه في حرب أكتوبر من سنة 1973، حرب رمضان، ونحن في ذكراها هذه الأيام بالتقويم الهجري، بعث العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، في موقف قومي نبيل، تجريدة من القوات المسلحة الملكية إلى الجولان. وكانت كتيبة عسكرية جد متطورة تضم خيرة ضباط وجنود المدفعية المغربية الذين كان أغلبهم من ثكنة قصر السوق سابقا (الرشيدية حاليا) ومن “مدرسة الدارالبيضاء” بمكناس الشهيرة في التكوين العسكري للمدفعية. وكانت تلك التجريدة المغربية بقيادة الجنرال الصفريوي رحمه الله، الذي سيعين بعد ذلك سفيرا للمغرب في هولندا.

كانت تلك التجريدة العسكرية المغربية، فعليا، مضربا للمثل في الشجاعة العسكرية في كل الجولان وسوريا وفلسطين. وكانت الآلة العسكرية الإسرائيلية تدرك أنها أمام عناصر جد مدربة ومحنكة، وأنها تنتمي لمدرسة في العسكرية لا علاقة لها بالمدرسة العسكرية لأروبا الشرقية، فكانت قد حاولت من خلال رمي مناشير من الجو تني تلك القوات المغربية من المشاركة في المعركة بلغة فيها الكثير من التقدير لأولئك الجنود ولبلدهم، الذين كانت تقول تلك المناشير إنها “بعيدة عن هذه البلاد كثيرا وغير معنية بمعاركها”. بل إن السمعة التي كانت (ولاتزال) لتلك التجريدة العسكرية المغربية هناك، قد جعلت الأمهات الجولانيات (وهذا أمر أكده لي زملاء صحفيون مغاربة ومشارقة، عاشوا أو زاروا تلك البلاد) يخفن صغارهن من أجل حملهم على الدخول إلى المنازل بالقول: “أدخلوا إن المغاربة الأشاوس قادمون”.

الحقيقة أن السر في تلك السمعة الطيبة الجليلة، العالية في الشرف للجندي المغربي، راجع إلى أن تلك التجريدة المغربية قد لعبت دورا حاسما في حرب أكتوبر 1973 في تحرير أجزاء هامة من هضبة الجولان مع وحدات عراقية، وأنها أساسا قد حررت لوحدها جبل الشيخ الإستراتيجي، واحتلت قمته التي كانت ولا تزال تضم مركزا محوريا للإتصالات اللاسلكية والرصد، له قوة حاسمة في كل بلاد الشام، من خليج العقبة جنوبا حتى ماوراء العاصمة دمشق شمالا. وكان مفروضا أن يحمى ذلك النصر، الذي كانت تقدم عنه القناة التلفزية المغربية بعض الصور الحية، في كل مناسبة لحرب أكتوبر، حيث كان المشاهدون المغاربة يشاهدون جنودهم من تلك الكتيبة وهم يزحفون صاعدين بسرعة في جبل الشيخ تحت وابل من الرصاص الإسرائيلي. كان مفروضا، أن يحمى ذلك النصر، جويا من قبل طائرات الميغ السورية والسوفياتية الصنع. لكن، الذي وقع هو أن الطائرات الوحيدة التي حلقت حينها هي الطائرات الإسرائيلية من نوع ميراج الفرنسية الصنع والإف 5 الأمريكية الصنع. فكان الذي كان، سقط الشهداء المغاربة بالعشرات. واستعادت تل أبيب “جبل الشيخ” وأجزاء من القنيطرة والجولان، بعد أيام ضارية من القتال.

إن أرواح شهداء المغرب، من تجريدة الشرف العسكرية تلك، التي سقت دماؤها الطاهرة الجولان، هناك في رمضان، معلقة في السماء منذ أكثر من 38 سنة، تنتظر الحقيقة الفصل. بالتالي، واضح إذن أن جراب الأسرار السورية لعائلة الأسد مليان. وواضح أيضا أن كل هذه الهمجية في القتل هناك، ليست سوى عنوان من بين عناوين عدة، على مدى الخوف من الفضيحة.

هامش:

(1) نبهني الزميل عبد الحميد جماهري، بعد اطلاعه على هذه المادة الصحفية، إلى معطى آخر يعزز من مصداقية هذه الأخبار التي بدأت تطل برأسها اليوم، أن الزعيم الفلسطيني الراحل المغتال ياسر عرفات، الذي تأكد اليوم أنه قتل مسموما، كان قد هدد الرئيس السوري حافظ الأسد أثناء القصف الوحشي الذي تعرض له الفلسطينيون في مدينة طرابلس ( حرب الفصائل ) في بداية الثمانينات من القرن الماضي، بفضح حقائق النظام السوري حول الجولان، في تصريح تلفزي. وكان عرفات قد التحق أصلا بالمقاومين الفلسطينيين متخفيا في هيئة بائع خضار، من أجل الوقوف معهم في المعركة، وهذه قوة عرفات القائد، فهو لم يكن من القادة المناضلين الذين يجلسون في الفنادق خمس نجوم ويصدرون الأوامر للمقاتلين بل إنه كان ينزل إلى الميدان إلى جانب أبناء شعبه. فقد هدد الرئيس السوري حينها بفضح حقائقه في الجولان إذا لم يرفع يده عن الدم الفلسطيني في لبنان وفي طرابلس. فكان للتهديد ذاك أثره.

*الاتحاد الاشتراكي

مرتب ملك المغرب يساوي 8 مرات مرتب أوباما

ما هي التكلفة السنوية  التي يتحملها المواطن المغربي دافع الضرائب، لتغطية نفقات الملك والقصر الملكي ما المبلغ الذي يخصصه قانون المالية لميزانية  القصر وهل تمكن المقارنة مع دول أخرى؟

ما هي نسبة هذه التكلفة مقارنة مع الناتج القومي الإجمالي بالمغرب الناتج وما هي نفس النسبة مقارنة مع الناتج القومي الإجمالي لهذه الدول بحيث يمكن للمقارنة أن تكون ذات جدوى؟
ما هي النسبة بالمقارنة مع الميزانية العامة للدولة؟
من الذي يحق له التصويت على هذه الميزانية كل عام؟ وهل تناقش في البرلمان؟
لماذا وسائل الإعلام الرسمية  تتحاشى الحديث عن هذا الموضوع؟ لماذا يبقى المواطن العادي بعيدا و مـُبعدا عن إدراك هذه المعطيات. بل لماذا العديد من أهل السياسة والثقافة يبتعدون هم كذلك عن الموضوع ويجهلون الأرقام وكأنها من المحرمات والخوض فيها من المخاطر؟ Continue reading

العباسي الجزائر ارض الله من يكون؟

لطالما شاهدتم تعليقاته على مواقع متل هسبريس و الجزائر تايمز.. و لا يمر موضوع يتعلق بالمغرب و الجزائر الا و كان له نصيب من التعليق او السب و القدف في المغاربة (و ربما الجزائريين أيضا تحت اسم آخر مستعار).ولقد ارتأيت أن اشير الى خبت هدا الشخص (أو الأشخاص )  لأنه منطقيا لا يمكن لشخص واحد، عادي، ان يراقب كل هده المواقع و يتصيد جديدها ليكون أول معلق على مواضيعها..و على العموم هؤلاء “العبابسة” هدفهم واحد؛ تمزيق أي رابط أخوي بين الشعبين العضيمين الجزائر و المغرب- ابواق لزرع الفتن و الحقد و الكراهية بين المغاربة و إخوتهم الجزائرين، فبركة مناوشات وهمية و إتارة النعرات بين الأشقاء.. وحاش لله ان يكون هؤلاء “العباسيون” جزائريين لأنه ادا تسائلنا عن من المستفيد من العداوة بين الشعبين فسنجده بسهولة و سنشير باصابع اتهامنا الى كائنات طفيلية تقتات على دماء إخوتنا المعتقلين في تندوف: إنهم، أعزكم الله، البوليزاريو!وهدا العباسي و امتاله كتر و هم على ما يبدو، موظفين يتقاضون أجرتهم من تجار الموت، البوليزاريو، لقاء نفت سموم التفرقة بين الإخوة الأشقاء.. لأن البوليزاريو هي اول من سيخسر ادا اتحد الشعبين و فتحت حدودهما بعضا على بعض.ولا أظن ان جزائريا أو مغربيا حرا سيريد سوءا بأخيه لأننا شعبين عرفنا الشهامة و بعزة النفس و العطاء؛ وخير دليل ما حدت مؤخرا في عنابة و مراكش من حسن ضيافة و روح أخوية (شاهدوا الفيديوهات) من الصعب على تلة من الجراتيم المرتزقة ان يلوثوا أواصر حبها و مودتها.

للسيطرة على الشّعوب

عابر سبيل – للسيطرة على الشّعوب
في 10-6-2011 الساعة 0:40

تناقلت عدّة مواقع عالميّة في الأيّام الأخيرة قائمة أعدّها المفكّر الأميركي نعوم تشومسكي، واختزل فيها الطّرق التي تستعملها وسائل الإعلام العالميّة للسيطرة على الشّعوب، عبر وسائل الإعلام، في 10 استراتيجيّات أساسيّة.

أولاً- إستراتيجيّة الإلهاء:

هذه الإستراتيجيّة عنصر أساسي في التحكّم بالمجتمعات، وهي تتمثل في تحويل انتباه الرّأي العام عن المشاكل الهامّة والتغييرات التي تقرّرها النّخب السياسية والاقتصاديّة، ويتمّ ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة. إستراتيجيّة الإلهاء ضروريّة أيضا لمنع العامة من الاهتمام بالمعارف الضروريّة في ميادين مثل العلوم، الاقتصاد، علم النفس، بيولوجيا الأعصاب وعلم الحواسيب. “حافظ على تشتّت اهتمامات العامة،

بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، واجعل هذه الاهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقيّة. اجعل الشعب منشغلا، منشغلا، منشغلا، دون أن يكون له أي وقت للتفكير، وحتى يعود للضيعة مع بقيّة الحيوانات”. (مقتطف من كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة).

ثانياً- ابتكار المشاكل.. ثم قدّم الحلول:

هذه الطريقة تسمّى أيضا “المشكل – ردّة الفعل – الحل”. في الأول نبتكر مشكلا أو “موقفا” متوقــعا لنثير ردّة فعل معيّنة من قبل الشعب، وحتى يطالب هذا الأخير بالإجراءات التي نريده أن يقبل بها. مثلا: ترك العنف الحضري يتنامى، أو تنظيم تفجيرات دامية، حتى يطالب الشعب بقوانين أمنية على حساب حرّيته، أو: ابتكار أزمة مالية حتى يتمّ تقبّل التراجع على مستوى الحقوق الإجتماعية وتردّي الخدمات العمومية كشرّ لا بدّ منه.

ثالثاً- استراتيجيّة التدرّج:

لكي يتم قبول إجراء غير مقبول، يكفي أن يتمّ تطبيقه بصفة تدريجيّة، مثل أطياف اللون الواحد (من الفاتح إلى الغامق)، على فترة تدوم 10 سنوات. وقد تم اعتماد هذه الطريقة لفرض الظروف السوسيو-اقتصاديّة الجديدة بين الثمانينات والتسعينات من القرن السابق: بطالة شاملة، هشاشة، مرونة، تعاقد خارجي ورواتب لا تضمن العيش الكريم، وهي تغييرات كانت ستؤدّي إلى ثورة لو تمّ تطبيقها دفعة واحدة.

رابعاً- استراتيجيّة المؤجّــَـل:

وهي طريقة أخرى يتم الالتجاء إليها من أجل إكساب القرارات المكروهة القبول وحتّى يتمّ تقديمها كدواء “مؤلم ولكنّه ضروري”، ويكون ذلك بكسب موافقة الشعب في الحاضر على تطبيق شيء ما في المستقبل. قبول

تضحية مستقبلية يكون دائما أسهل من قبول تضحية حينيّة. أوّلا لأن المجهود لن يتم بذله في الحين، وثانيا لأن الشعب له دائما ميل لأن يأمل بسذاجة أن “كل شيء سيكون أفضل في الغد”، وأنّه سيكون بإمكانه تفادي التّضحية المطلوبة في المستقبل. وأخيرا، يترك كلّ هذا الوقت للشعب حتى يتعوّد على فكرة التغيير ويقبلها باستسلام عندما يحين أوانها.

خامساً- مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار:

تستعمل غالبية الإعلانات الموجّهة لعامّة الشعب خطابا وحججا وشخصيات ونبرة ذات طابع طفولي، وكثيرا ما تقترب من مستوى التخلّف الذهني، وكأن المشاهد طفل صغير أو معوّق ذهنيّا. كلّما حاولنا مغالطة المشاهد، كلما زاد اعتمادنا على تلك النبرة. لماذا؟ “إذا خاطبنا شخصا كما لو كان طفلا في سن الثانية عشر، فستكون لدى هذا الشخص إجابة أو ردّة فعل مجرّدة من الحسّ النقدي بنفس الدرجة التي ستكون عليها ردّة فعل أو إجابة الطفل ذي الإثني عشر عاما”. (مقتطف من كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة)

سادساً- استثارة العاطفة بدل الفكر:

استثارة العاطفة هي تقنية كلاسيكية تُستعمل لتعطيل التّحليل المنطقي، وبالتالي الحسّ النقدي للأشخاص. كما أنّ استعمال المفردات العاطفيّة يسمح بالمرور للاّوعي حتّى يتمّ زرعه بأفكار، رغبات، مخاوف، نزعات، أو سلوكيّات.

سابعاً- إبقاء الشّعب في حالة جهل وحماقة:

العمل بطريقة يكون خلالها الشعب غير قادر على استيعاب التكنولوجيات والطّرق المستعملة للتحكّم به واستعباده. “يجب أن تكون نوعيّة التّعليم المقدّم للطبقات السّفلى هي النوعيّة الأفقر، بطريقة تبقى إثرها الهوّة المعرفيّة التي تعزل الطّبقات السّفلى عن العليا غير مفهومة من قبل الطّبقات السّفلى” (مقتطف من كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة)

ثامناً- تشجيع الشّعب على استحسان الرّداءة:

تشجيع الشّعب على أن يجد أنّه من “الرّائع” أن يكون غبيّا، همجيّا وجاهلا.

تاسعاً- تعويض التمرّد بالإحساس بالذنب:

جعل الفرد يظنّ أنّه المسؤول الوحيد عن تعاسته، وأن سبب مسؤوليّته تلك هو نقص في ذكائه وقدراته أو مجهوداته. وهكذا، عوض أن يثور على النّظام الإقتصادي، يقوم بامتهان نفسه ويحس بالذنب، وهو ما يولّد دولة اكتئابيّة يكون أحد آثارها الإنغلاق وتعطيل التحرّك. ودون تحرّك لا وجود للثورة!

عاشراً وأخيراً- معرفة الأفراد أكثر ممّا يعرفون أنفسهم:

خلال الخمسين سنة الماضية، حفرت التطوّرات العلميّة المذهلة هوّة لا تزال تتّسع بين المعارف العامّة وتلك التي تحتكرها وتستعملها النّخب الحاكمة. فبفضل علوم الأحياء، بيولوجيا الأعصاب وعلم النّفس التّطبيقي، توصّل “النّظام” إلى معرفة متقدّمة للكائن البشري، على الصّعيدين الفيزيائي والنّفسي. أصبح هذا “النّظام” قادرا

على معرفة الفرد المتوسّط أكثر ممّا يعرف نفسه، وهذا يعني أنّ النظام – في أغلب الحالات – يملك سلطة على الأفراد أكثر من تلك التي يملكونها على أنفسهم

الشعب المغربي يعيش في غابة أسماك القرش

كتب احد المعلقين في صحيفة الكترونية مغربية تعليقا اتار لدي رغبة في نسخه و حفضه داخل مدونتي. وكتب التعليق وهو يرد على مقال بعنوان “الفرق النيابية ترفض التقصي حول مركز تمارة”

الشعب المغربي يعيش في غابة أسماك القرش
الشعب المغربي منذ استيقاظه في الصباح إلى نومه في المساء ، يعيش في غابة اسماك القرش ؟
جميع الإدارات المغربية ، الكومسارية عند البطاقة الوطنية يوجد اسماك القرش ، فالبلدية يوجد أسماك القرش ، في مصلحة التسجيل والضرائب توجد اسماك القرش ، فالمحافظة العقارية توجد اسماك القرش ، في المستشفى في المستعطلات وطب العيون والولادات والعمليات الجراحية توجد اسماك القرش ، في البريد توجد اسماك القرش ، في المحكمة يوجد أجداد القرش ، في العمالة توجد اسماك القرش ،في الوزارة وعلى رءوس جميع الإدارات و المندوبيات ، يوجد شيوخ اسماك القرش ، أين المفــر ؟
هل يمكن أن تجلس داخل المنزل خوفا من اسماك القرش المتربعون على عروش الإدارات المغربية ؟ إن لم تخرج يرسلون لك رسائلهم وأعوانهم : ضرائب ، فاتورات الأداء الماء والكهرباء والهاتف والمصادقة على الإمضاءات .
رزقك بيـــن أسنانهـــم ، أين المفــــر ؟

القصة الكاملة لحرب (الرمال) 1963 بين المغرب والجزائر

حمل الحسن الثاني معه في أول زيارة للجزائر 23 سيارة مرسيدس من النوع الكبير لوضعها رهن خدمة الوزراء الجزائريين الـ23
* لم يضحك بن بلا قط خلال زيارة الحسن الثاني للجزائر فاقترح عليه الدكتور الخطيب اسناد وزارة المواشي الى بومعزة، ووزارة التموين الى بوخبزة ووزارة الفلاحة الى بومنجل ووزارة الشرطة لبوتفليقة .. فابتسم الرئيس
* عزا الوفد المغربي انقباض الرئيس بن بلا الى ما كان يعج به صدره من هموم بناء الجزائر
* ذهب الحسن الثاني الى الجزائر يحمل هما واحدا هو مشكلة الحدود المترتبة على إلحاق فرنسا لأجزاء من تراب المغرب بالجزائر يتناول عبد الهادي بوطالب السياسي المغربي المخضرم في هذه الحلقة من حوارات «نصف قرن تحت مجهر السياسة» التي خص بها «الشرق الأوسط» ظروف اندلاع «حرب الرمال» بين المغرب والجزائر. والمحاولات التي قام بها الملك الحسن الثاني مع الرئيس الجزائري احمد بن بلا للحؤول دون اندلاعها.
ويتحدث بوطالب هنا عن اول زيارة يقوم بها الملك الحسن الثاني الى الجزائر، وقراءته لشخصية الرئيس بن بلا اثناء الزيارة.
* في سنة 1963 اندلعت حرب الرمال بين المغرب والجزائر. فما هي الأسباب والخلفيات التي أدت إلى حرب الأشقاء؟
ـ لم تنقطع إمدادات المغرب للثورة الجزائرية منذ اندلاعها سنة 1954 إلى تتويجها بالانتصار والاستقلال سنة .1962 كنا في الحركة الوطنية نؤمن أن كفاح أقطار شمال افريقيا للتخلص من الاستعمار يشكل وحدة لا انفصام لها، وأن المكافحين في كل من المغرب والجزائر وتونس يوجدون على خط معركة التحرير في خندق واحد. واعتبرنا ـ وقد حررنا بلادنا وشكلنا أول حكومة وطنية ـ أن انتصار المغرب بعودة محمد الخامس من منفاه وإعلان الاستقلال لا يعفي المغرب من مساعدة ما بقي من أقطار المغرب الكبير تحت الاستعمار، وخاصة الجزائر التي ألحقتها فرنسا بها وجعلت منها ثلاث مقاطعات فرنسية.
ولذلك كان التزام المغرب ـ ملكا وشعبا ـ بمساعدة الثورة الجزائرية غير محدود ولا مشروط، وحتى في أصعب ظروف المغرب.
كان المغرب غداة استقلاله ما يزال يكمل تحرير ترابه ويكافح لإجلاء الجيوش الأجنبية الفرنسية والإسبانية عن أراضيه، وعن القواعد العسكرية التي سمح الاستعمار الفرنسي بإقامتها فوق ترابه لفائدة القوات الأميركية. وكان المغرب محط الأنظار والمراقبة من طرف الاستعمار الراحل الذي لم يسلِّم بوضع الاستقلال إلا مُرغَما. وظل مع ذلك يتربص به السوء بعد أن أفلت من قبضته، ويخشى من سريان عدوى التحرر إلى الجزائر المجاورة. وكان اضطلاع الملك محمد الخامس بمسؤولية تبني قضية الجزائر المكافحة ودعمها بالمال والسلاح تحديا لفرنسا كان يمكن أن يكون من بين ردود فعله ضرب فرنسا القواعد العسكرية المغربية التي كانت تحتضن الفرق العسكرية الجزائرية وقد بلغ عددها 9.000 جندي.
وكان المغرب يواجه مشكلة بناء الدولة وتطويرها بما يتطلبه البناء والتطوير من نفقات تضيق عنها ميزانيته، لكن هذه الظروف الصعبة لم تثنه عن مضاعفة دعم الجزائر ماديا، وتوفير السلاح لثورتها، وحماية ظهرها على طول الحدود المغربية التي أصبحت مفتوحة في وجه المكافحين الجزائريين، ومَـمَرّا للعتاد والذخيرة إلى أرض المعركة بالجزائر.
وإلى قاعدة مكناس العسكرية المغربية كان يرد السلاح الروسي المقتنَى من الثورة الجزائرية، وضِمْنه الطيران العسكري الذي كان يتدرب عليه بالقاعدة المغربية ربابنة جزائريون. وكان المغرب يساهم من ميزانيته في شراء السلاح ونقله إلى الجزائر. كما ساعد الجزائر ماليا على اقتناء الباخرة «سانت بريفال SAINT BRIVAL » التي اشتهرت باسم الأطوس lathos وغصت مدينة وجدة على الحدود الشرقية بالمهاجرين الجزائريين، واستقبلت مستشفياتُها الجرحى لعلاجهم، وآوت القيادةَ الجزائريةَ السياسية التي أصبحت تُعرَف في ما بعدُ بمجموعة وجدة، والتحقت بالجزائر عند استقبالها لتدير دفة الحكم.
* لكن المغرب أدى ثمنا غاليا بسبب ذلك خاصة في علاقته بفرنسا؟
ـ نعم، أدى المغرب غاليا ثمن هذا الدعم، خاصة خلال تسعة أشهر قطع خلالها علاقته مع فرنسا على إثر اختطافها الطائرة المغربية التي كانت تُقِل الزعماء الجزائريين الخمسة الذين جاءوا إلى المغرب وحلوا ضيوفا على الملك محمد الخامس، وكانوا يُردِفونه على الطائرة المختطَفة ليحضروا بجانبه في زيارته تونس تلبية لدعوة رئيسها الحبيب بورقيبة. وكان من بين هؤلاء الزعماء أحمد بن بلا الذي سيصبح رئيس الحكومة الجزائرية فرئيس الدولة الجزائرية في فجر الاستقلال.
* وما هي الخسائر التي نتجت عن قطع العلاقات مع فرنسا؟
ـ خلال فترة القطيعة مع فرنسا تحمل المغرب صعوبات وأضرارا مادية تجلت خاصة في فقده المعونة الفنية الفرنسية التي كان في أمس الحاجة إليها لتطوير بنياته الأساسية.
وكان طبيعيا ـ والحالة هذه ـ أن يعيش المغرب عرسا كبيرا طافحا بالأفراح يوم استقلت الجزائر، فهذا الاستقلال كان يكمل استقلاله ويوطد له قواعد الأمن والسلامة، ويؤشر لمستقبل أسعد لشعبين كل شيء يؤلف بينهما ويوحدهما في مصير مشترك. وكان يخلق للمغرب ظروف المزيد من الاستقرار والانصراف إلى بناء نفسه بعد أن تحرر من أعباء إسناد الثورة الجزائرية.
لكن استقلال الجزائر لم يكن نهاية متاعب المكافحين، بل فجَّر داخل الجزائر ما كانت تجيش به من تناقضات لئن صَهَرها مؤقتا هدف التحرير فإن الاستقلال لم يَقوَ على احتوائها.
* وماذا كان موقف المغرب من تلك التناقضات الداخلية؟
ـ أريد أن أشير إلى انقسام الصف القيادي لجبهة التحرير الجزائرية، وبروز تكتلات سياسية لجأ بعضها (وعلى رأسها الزعيم آيت أحمد) إلى التمرد العسكري بمنطقة القبائل على الحكومة الشرعية. وقد وقف الملك الحسن الثاني إزاء الأزمة الداخلية الجزائرية موقف المناصر للحكومة الجزائرية. لقد كان مؤمنا بأن هذا الخلاف العارض لا يشكل إلا اجتهادات في الرأي بين أبناء الجزائر الواحدة، وبالتالي فواجب المغرب أن يُعرِض عن الخوض فيه، وأن يقوي عرى التعاون بينه وبين الحكم الشرعي مشخَّصا في حكومة الجزائر التي كان يقودها آنذاك الرئيس أحمد بن بلا.

وهذا بعض ما استهدفه الملك الحسن الثاني من مسارعته للقيام بزيارته الرسمية للجزائر، تلبية للدعوة التي وجهها إليه الرئيس بن بلا ونقلها لجلالته وزير خارجية الجزائر آنذاك المرحوم الخميستي. وكان الملك قد وقَّت زيارة إلى الولايات المتحدة تلبية لدعوة الرئيس الأميركي، لكنه أخرها وأعطى الأسبقية لزيارة الجزائر.
* كيف كانت هذه الزيارة التي رافقتم فيها الملك الحسن الثاني؟
ـ رافقته بوصفي وزير الإعلام والشباب والرياضة. وأتاحت لي هذه المرافقة أن أتعرف على الجزائر لأول مرة ـ ككثير من زملائي في حكومة المغرب ـ وأن أتصل أيضا لأول مرة بالرئيس بن بلا.
وكنت قد حاولت مرة في بداية الخمسينيات ـ والمغرب تحت الحماية الفرنسية ـ أن أزور الجزائر قادما إليها من مدينة وجدة، فأرجعتني الشرطة الفرنسية من الحدود، لأن جوازي لم يكن يحمل تأشيرة دخول إلى ما وراء الستار الحديدي. وكنت أعرف بعض وزراء حكومة الرئيس بن بلا وقيادات جبهة التحرير قبل استقلال الجزائر، حيث جمعتنا في باريس ـ التي اخترناها بَلد منفَى ـ ظروف التحرير المشتركة، وخاصة منهم من كانوا ينتمون إلى حزب البيان الجزائري بزعامة عباس فرحات الذي كان يتعاطف معنا في حزب الشورى والاستقلال، بينما لم تُتَحْ لي قبل الزيارة الملكية فرصة للتعرف على رئيس الجزائر.
أعدّ الملك الحسن الثاني كل ما يلزم لتعكس زيارته مشاعر المودة والأخوة والتعاطف المتأصلة بين شعبي المغرب والجزائر، وحرص على أن يحس القادة الجزائريون بدفء حرارة العواطف المخلصة التي يكنها لهم ملك المغرب، ففجر منها شحنات دافقة بالعطف، وأطلق للإعراب عنها يده سخية مِعطاءة حيث حمل معه متنوع الهدايا، وكان من بينها 23 سيارة مرسيدس من النوع الكبير جاءت من مصانعها بألمانيا إلى المغرب ليلة الزيارة، فوضعها في خدمة الوزراء الجزائريين الثلاثة والعشرين الذين كانوا يشكلون حكومة بن بلا. كما حمل معه أسلحة مغربية آثر بها جيش الجزائر على جيشه.
* وكيف مرت الزيارة بين وفد المغرب والحكومة الجزائرية؟
ـ بدا لي طيلة الزيارة أن الملك الحسن الثاني كان ـ وهو يحاور بن بلا ـ كمن يُجهِد نفسَه لفتح قُفْل مغلق ضاع مفتاحه. فالرئيس الجزائري كان يبدو صعب المراس، لم يضحك قط ولا ابتسم، إلا مرة واحدة خلال لقاء لم يحضره الملك الحسن الثاني تحلَّق فيه حوله الوفد المغربي والوفد الجزائري في جلسة استراحة واسترخاء، فإذا بعضو الوفد المغربي وزير الدولة في الشؤون الأفريقية الدكتور عبد الكريم الخطيب يبادر الرئيس بنكتة في شكل سؤال: «ألا تفكرون فخامة الرئيس في إدخال تعديل على حكومتكم أعتبره منطقيا، إذ به تضعون الرجل الصالح في المكان الصالح، فتسندون وزارة تربية المواشي إلى الوزير بومعزة، ووزارة التموين إلى الوزير بوخبزة، وتضعون الوزير بومنجل في وزارة الفلاحة، والوزير بوتفليقة في الشرطة؟». وكانوا جميعهم على رأس وزارات أخرى. فتوزعت مشاعر الرئيس ـ وهو يفاجَأ بهذه النكتة ـ بين كبح سَوْرة الغضب واستطابة بلاغة النكتة، فاحمر وجهه، وتزحزحت شفتاه في مشروع ابتسامة لم تقْوَ على شق طريقها.
وقد كانت طبيعة العلاقات الحميمة التي قامت أثناء حرب تحرير الجزائر بين الدكتور الخطيب وبين قادة الجبهة الجزائرية تسمح له هو وحده بأن يداعب الرئيس بهذه النكتة التي لم يَسْتسِغها مع ذلك الرئيس الجزائري، خاصة وقد نطق بها الدكتور الخطيب أمام الوزراء الجزائريين.
* ما هي أسباب انقباض الرئيس بن بلا؟
ـ عزا الوفد المغربي انقباض الرئيس الجزائري إلى ما كان يَعِجُّ به صدره من هموم بناء الجزائر، وإلى ما كان يتهدد الجزائر من انقسام صف قادتها، وإلى معاناة الرئيس الجزائري من معارضة بعض رفقائه في الكفاح لسياسته، ومناهضتهم لبسط حكمه، وإلى الخلاف الذي أخذ يطبع علاقات الرئيس بالمجلس الوطني الجزائري (البرلمان) الذي كان يريد أن يلعب دور المجلس التشريعي المراقب للحكومة، لكن الرئيس الجزائري كان يرفض مراقبته على المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطنية الذي كانت الحكومة تتألف منه.
* وما هو الهدف الأساسي لزيارة الملك الحسن الثاني إلى الجزائر يوم 13 مارس (آذار) 1963؟
ـ لقد جاء الملك الحسن الثاني على رأس وفد المغرب يحمل هما واحدا : هو مشكلة الحدود المغربية ـ الجزائرية التي ترتبت على إلحاق فرنسا لأجزاء من تراب المغرب بالجزائر في عملية حسابية سياسية استعمارية عندما كانت تراهن على إدامة احتلالها للجزائر كجزء لا يتجزأ من التراب الفرنسي، فتقتطع من المغرب أرض الحماية (المؤقتة) وتضيف إلى (التراب الفرنسي الدائم) مناطق لا جدال في مغربيتها.
ومع ما كان يحمله الملك من هم الحدود حمل لمحاورِه بن بلا ملفا جيدا حافلا بالحجج التاريخية التي تثبت مغربية الأراضي التي ألحقتها فرنسا بالجزائر،كان ضمنه وثائق وخرائط ومعاهدات دولية. لكن كان الملف يحمل أكثر من ذلك اعترافَ فرنسا وحكومة الجزائر المؤقتة التي تأسست قبيل استقلال الجزائر بمغربية الأراضي المغتصبة، هذه الحكومة التي أمضى رئيسها عباس فرحات مع الملك الحسن الثاني بتاريخ 6 يوليو (تموز) 1961 اتفاقية تضمنت التنصيص على أن الجزائر تعترف بأن مشكلة الحدود بين المغرب والجزائر موجودة وقائمة، وأن واقع الحدود إنما تم فرضه من لدن فرنسا بتعسف وظلم. وتتعهد بأن تدخل حكومة الجزائر المستقلة في مفاوضات مع المغرب لتسوية المشكلة. كما تضمنت الاتفاقية التنصيص على أن ما قد يُبرَم من أوفاق بين الجزائر وفرنسا لا يمكن أن يكون حجة على المغرب في ما يخص ضبط الحدود الجزائرية ـ المغربية.
* لكن لماذا رفض المغرب التفاوض مع فرنسا على تلك الحدود قبل استقلال الجزائر؟
ـ كانت حكومة فرنسا عرضت على حكومة المغرب الدخول معها في مفاوضات لتسوية مشكلة اقتطاع الأراضي المغربية لفائدة الجزائر، وذلك أثناء حرب التحرير الجزائرية، لكن المرحوم محمد الخامس المعروف بمثاليته وإخضاع سياسته لأخلاقياته رفض التفاوض المباشر مع فرنسا، وفضل ترك المشكلة إلى حين استقلال الجزائر، معتبرا أن التفاوض مع فرنسا طَعنٌ لظهر الجزائر المكافحة وإخلال بسندها الذي التزم به أمام نفسه وأمام ربه.
وفي الاجتماع الذي جرى على انفراد بين الملك الحسن الثاني والرئيس أحمد بن بلا أثناء الزيارة طلب هذا الأخير من الملك أن يؤخر بحث موضوع الحدود إلى حين استكمال الجزائر إقامةَ المؤسسات الدستورية، وتسلُّمَه مقاليد السلطة بوصفه رئيس الدولة الجزائرية المنتخب، مخاطِبا بالأخص الملك بهذه العبارة الحافلة بالدلالات : «ثقوا أن الجزائريين لن يكونوا بطبيعة الحال مجرد وارثين للتركة الاستعمارية في موضوع الحدود المغربية ـ الجزائرية».
وقد اطمأن جلالة الملك لهذا التعهد الصريح، خاصة وقد كان الرئيس بن بلا أعلن في خطاب تنصيبه أن حكومته تحترم وتضمن تطبيق جميع ما أبرمته الحكومة المؤقتة الجزائرية من أوفاق.
وكنت ضمن الوزراء المغاربة الذين أطلعهم الملك الحسن الثاني إثر اجتماعه بالرئيس الجزائري على ما راج بينهما في موضوع الحدود، فأبدى بعضنا تشككا وارتيابا في حسن نية الرئيس الجزائري الذي اعتبرْنا تسويفه معالجةَ المشكلة تهرُّبا وتملُّصا. لكن الملك قال: «إنه لا يشاطرنا رأينا، وإنه لا يتصور أن يلجأ الرئيس الجزائري إلى الأسلوب الملتوي، وأنه يثق في حسن نيته، إذ لا يُعقَل أن يكافئ المغربَ على سنده الموصول للجزائر بالعمل على إدامة مشكلة الحدود قائمة، وبالأحرى أن يكون همه هو الاحتفاظ بأراض وأقاليم مغربية انتُزِعت من المغرب لدواع استعمارية يعلمها الرئيس الجزائري حق العلم ولا ينازع فيها».
وعدنا إلى المغرب لتتلاحق الأنباء الواردة علينا من الجزائر بشن الحكومة الجزائرية حملة تشهير وقذف على المغرب، متهمة إياه بإسناده ثورة القبائل الجزائرية، وبالسعي لزعزعة الاستقرار الجزائري.
* وما هي أسباب تلك الحملة ضد المغرب؟
ـ كنت أتابع ـ من وزارة الأنباء ـ تطورات هذه الحملة التي لاحظت أنها لا تنحصر في وسائل الإعلام الجزائري، بل تجد لها صدى واسعا إن لم أقل تواطؤا مدروسا من لدن وسائل الإعلام المصري الذي كان يتبنّى الأطروحة الجزائرية ويضيف إليها ما يوحي به الخيال.
وكان معروفا تعاطف مصر مع الجزائر، وما كان يجمع الرئيس عبد الناصر والرئيس بن بلا من وشائج، إذ كان الأول يراهن على أن يحمل الثاني في منطقة المغرب العربي لواء القومية العربية الناصرية امتدادا للنظام المصري الذي كان يبحث عن مدخل له لهذه المنطقة. وكان الرئيس بن بلا يؤهل نفسه للعب هذا الدور الريادي، ويهتدي في توجهاته وشعاراته بهدي فلسفة الثورة المصرية.
* وكيف تعامل الملك الحسن الثاني معها؟
ـ عمل الحسن الثاني على احتواء الأزمة بالحد من تطورها نحو الأسْوأ، وكلف سفيره بالجزائر السيد محمد عواد بالاتصال بالرئيس الجزائري لدحض التهم المفتعَلة، وإعطاء تأكيدات جديدة للرئيس بامتناع المغرب عن كل ما يسيء إلى جارته، وبتطلعه إلى عهد من الوئام والصفاء. وقبِل الملك أن يجتمع وزير خارجية المغرب السيد أحمد رضا جديرة بوزير خارجية الجزائر السيد عبد العزيز بوتفليقة في وجدة ليصدر عنهما بلاغ مشترك أُطلِق عليه «بلاغ الوفاق». ولم يتجاوز الوفاق استبعاد السلبيات بتعهد كل طرف بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، وبامتناع كل دولة عن الإضرار بالدولة الأخرى. ولم يثر البلاغ مشكلة الحدود والأراضي المغربية المغتصبة.
ولم يطل حلم الوفاق، وإنما استيقظنا على دَويّ أنباء عن مهاجمة الجيش الجزائري غدرا لمركزي «حسي بيضا» و«تينجوب» على الحدود المغربية الجزائرية ولم يكن حولهما نزاع، بل كانا أثناء الهجوم خاضعين للسلطة المغربية وتحت الحراسة المغربية.
وقد شرح الملك الحسن الثاني نفسُه في مؤتمر صحافي عقده بمراكش ظروف هذا الهجوم فقال: «لم يترك المهاجمون الجزائريون للمغاربة الموجودين بالمركزين المعتدَى عليهما أي حظ للخروج منهما قبل قصفهما واحتلالهما. وفعلوا ذلك بدون إشعار مسبق، ولا إلفات لنظر السلطة المغربية إلى أن للجزائر مطلبا ما في الأرض، وأن على من فيها أن يغادروها». وأضاف ملك المغرب: «أمام هذا الهجوم الغادر لم يكن لديّ سوى خيارين: أن يتسم رد فعلي بالقلق والانفعال، أو بالتعقل والاتزان. ووضعت رأسي بين يدي متسائلا: من المستفيد من هذه الجريمة؟ هل يُعقل أن يعمد الرئيس بن بلا إلى القيام بمبادرة الهجوم على المغرب ويخلق لنفسه مشاكل خطيرة وهو الذي يعاني من مشاكل داخلية من كل نوع؟
* متى قرر المغرب هجومه المضاد للهجوم الجزائري؟
ـ تلاحقت الأحداث بسلوك الجزائر سبيل التصعيد، فلم يمر إلا يوم واحد على لقاء وزيري خارجية المغرب والجزائر بوجدة وصدور بلاغ الوفاق حتى عرف إقليم وجدة المغربي الممتد شرقا إلى التراب الجزائري هجوما مباغتا قام به الجيش الجزائري هذه المرة بكيفية سافرة على مركز «إيش» العسكري الواقع على بعد خمسين كيلومترا من شمال شرق مدينة فيكيك بإقليم وجدة. وكانت تحرسه قوات مغربية لم تكن تتوفر إلا على سلاح خفيف، بينما كان المهاجِمون الجزائريون يشكلون قوات نظامية مجهزة بالأسلحة الثقيلة. والأدهى من ذلك أن الطيران العسكري الجزائري شارك بدوره في الهجوم على منطقة «تيندرارة» (في إقليم وجدة أيضا). وجميع هذه المناطق لم تكن موضوع نزاع بين الدولتين، لأنها تقع في التراب المغربي الذي ظل تحت سلطة المغرب طيلة الحماية الفرنسية وإلى حين إعلان الاستقلال، ولم تقتطعه فرنسا من المغرب أبدا. كما أن هذه المناطق تبعد بألف كيلومتر عن مركزي «حسي بيضا» و«تينجوب» فلا يمكن اعتبار الهجوم عليها مجرد حادث حدود.
وبمعنى آخر، إن الجيش الجزائري أصبح يقوم برحلات سياحية يستعرض فيها عضلاته داخل التراب المغربي برا وجوا، مخترقا حرمة السيادة المغربية، وسامحا لنفسه باستعراض عضلاته للإرهاب والتخويف، الشيء الذي دفع بالملك الحسن الثاني إلى إرسال برقية صارخة مؤثرة للرئيس بن بلا احتج فيها على العدوان الجزائري، واسترعى نظر الرئيس الجزائري إلى خطورته وعواقبه وختمها مناديا ضمير الجزائر مخاطِبا السيد بن بلا بقوله: «بوصفكم المسؤول الأول عن مصير الجزائر ومستقبل شعبها، لا يمكنكم أن لا تقدروا حجم العدوان المرتكَب، وأن لا تحسُبوا عواقبه. إن الاتجاه الذي يبدو أن الجزائر تسير في وجهته والذي تجلى في أعمال عدوانية على التراب المغربي لن يساعد بكل تأكيد على خلق جو ملائم للبحث عن حل لمشاكلنا عن طريق التفاوض والحوار المباشر. لذا نناشد مرة أخرى المسؤولين الجزائريين أن يرتفعوا فوق الاعتبارات العاطفية، ويتحكَّموا في انفعالاتهم، وأن يأخذوا بعين الاعتبار أن الأجيال الحاضرة والمقبلة محكوم عليها ليس فقط بالارتباط بعلاقات تطبعها السلم، ولكن أيضا بالارتباط بعلاقات التعاون الأخوي لتشييد مستقبلنا المشترك. ذلك أن قرننا (القرن العشرين) يقوم على علاقات المجاملة، ويلتزم بمقتضيات الأوفاق والمواثيق الدولية التي تفرض على جميع الدول المحترِمة لنفسها أن تستبعد اللجوء إلى العنف. نقول هذا ونضيف أن المغرب على استعداد لمواجهة جميع الاحتمالات وجميع الأوضاع بجميع الوسائل الملائمة».
* وماذا كان رد فعل الرئيس بن بلا؟
ـ بعد هذه البرقية التي أصَرَّ الرئيس ابن بلا على تجاهلها فلم يَرُدّ عليها ولم يكلف نفسه على إثرها عناء إرسال مبعوث إلى الملك لشرح موقف الجزائر، استمر الحسن الثاني متمسكا بالحوار، ومستنفدا وسائل التفاهم بالحسنى، فبعث إلى الرئيس بن بلا وفدا مركبا من الحاج أحمد بلافريج وعبد الهادي بوطالب لكننا لم نجد من الرئيس استعدادا لحوار بناء. وعدنا لنخبر الملك الحسن الثاني بفشل مسعانا فالرئيس كان يعتبر المغرب المسؤول وحده عن تطور أحداث الحدود. ثم عاد الملك فأرسلني مرة أخرى إلى الرئيس ابن بلا وبرفقتي مدير ديوانه العسكري الكومندان محمد المذبوح في مهمة تستهدف تحسيس الرئيس الجزائري بخطورة الموقف وحَمْله على إيقاف مسلسل الاعتداءات والتحديات. وعن ذلك ، قال الملك الحسن الثاني في مؤتمره الصحافي: «استدعيت وزيري في الإعلام السيد عبد الهادي بوطالب ومدير ديواني العسكري وقلت لهما: «اذهبا للتحدث باسمي لدى الرئيس بن بلا وأطْلِعاه على الخريطة. وقولا له إن «حسي بيضا» و«تينجوب» كانا دائما ترابين مغربيين لا نزاع عليهما».
وقسَّم الملك الحسن الثاني الأدوار بيننا، فكان دور المذبوح الحديث لدى الرئيس الجزائري عن ظروف العدوان والسلاح المستعمل فيه، وتجهيزات الفرقة العسكرية الجزائرية المداهِمة. وحدد دوري في ما أعلن عنه في المؤتمر الصحافي وجاء فيه: «كلفت السيد بوطالب أن يشرح للرئيس ما جرى، وأن يقول له بالنيابة عني إنني لا أملك أن أتصور لحظة واحدة أنه قد أعطى الأمر بمهاجمة المغاربة، وأنني أعتقد أن العدوان مدبَّر من لدن عناصر لا تراقبها حكومة الجزائر، وأن الرئيس وُضِع لا محالة أمام الأمر الواقع، وأنني أناشده أن يقتصَّ بالعدل من مرتكبي العدوان».
وأقلَّتْنا طائرة (دس3) من مراكش إلى الجزائر في رحلة استمرت ما يقرب من خمس ساعات توقفنا خلالها بوجدة توقفا تقنيا، إذ هذا النوع من الطائرات كان في الستينات في حاجة إلى التزود بالوقود حتى في المسافات المتوسطة.
وابتدأ الحديث مع الرئيس بن بلا في جو متشنِّج. وكنت أحاول أن أُلطِّف حدَّته شكلا دون تساهل في العمق. «فالمغرب متشبث بترابه المدمَج من فرنسا في التراب الجزائري وبالمطالبة بإرجاعه طبقا للحجج المؤيدة له، ولكن عن طريق التفاوض والحوار. والمغرب يعتقد أن حوادث العدوان مُفتـعَلة من عناصر جزائرية، ويأمل أن لا يكون العدوان من عمل الحكومة الجزائرية وبإرادتها. والمغرب يعتبر أن ما وقع خطير، ولكن قد توفر خطورتُه الجو الملائم للإسراع بالدخول في المفاوضات، إذ تَرْك الحال على ما هي عليه مؤذن بتفجير أحداث أخرى قد لا يسهل احتواؤها».
وانتظرت وأنا أحاول أن أفتح أقفال الرئيس أن يسلك من أحدها إلى تجاوز الأحداث بإعطاء تطمينات عن نوايا الجزائر والوعد باحترام التزاماتها في المستقبل، فلم يُسعِفني الرئيس ببارقة مهدئة لجو التشنج الذي كانت تبدو ملامحه فوق وجهه، واندفع يطلق لسانه بما يفضح طوايا صدره.
* لكن ما هي القشة التي قصمت ظهر البعير؟
ـ لم يقدم الرئيس اعتذارا عما حصل، ولم يقل كلمة واحدة عن ضحايا العدوان المغاربة، ولم يطلب مني أن أنقل لجلالة الملك أية عبارة للمواساة والعزاء في الضحايا، بل في انفعال مثير قال: «إن مشكلة الحدود مشكلة وهمية ويجب السكوت عنها في الوقت الحاضر لتجاوزها فيما يستقبل». وزاد يقول: «على النظام الملكي المغربي أن يواجه مشاكله الداخلية، وأن يعلم أن النظام الجزائري حصين منيع، ولا يملك النظام الملكي المغربي النيل منه».
وكانت هذه الفقرة من الحديث خاتمة الجدل، تعطلت معها لغة الكلام، مما صحَّ معه قول الشاعر العربي القديم :
وإن النار بالعُودَيْـــن تُذْكَــــــــــى وإن الحرب أولـهـــــا الكــــــــــلامُ ووجدتُني مضطرا لأن أدخل مع الرئيس في ملاسنة حفظتُ فيها كرامة المغرب ووضعتْ حدا للحوار العقيم.
* وما ذا بعد ذلك؟
ـ عدت إلى مراكش لإطلاع جلالة الملك على وقائع المهمة التي وكَلَها إليَّ رفقة مدير ديوانه العسكري الذي لم يعلق الرئيس الجزائري على تدخله أثناء استقبالنا عندما كان يفتح أمامه الخرائط ويشرح له مواقع العدوان ومنطلقاته. ولم يعد شرح الكومندان مدبوح في حاجة إلى تعليق بعدما نطق الرئيس بن بلاّ بما أقفل به حديثنا.
وفي المؤتمر الصحافي وصف جلالته مهمتي لدى الرئيس بالمهمة السلبية المأسوف عليها وخاطب الصحافيين قائلا: «سأترك بعدي لوزيري في الإعلام السيد بوطالب أن يحدثكم عن أهم ما راج بينه وبين الرئيس الجزائري».
وقلت للصحافيين ما كان يمكن قوله مما يبرهن على سلبية المهمة لعدم توفر الاستعداد لتقبلها من الجانب الجزائري دون أن أدخل في التفاصيل، ولا سيما ما جاء في حديث رئيس الجزائر من تقييم مقارَن بين نظامي البلدين.
ووجد الملك الحسن الثاني نفسَه مضطرا لسلوك الطريق الذي لم يجد له منفذا سواه، بعد أن استنفد وسائل الحوار الهادئ، فنشِبت حرب الرمال التي استمرت ثلاثة أيام، استرجع فيها المغرب بالقوة بعض ما أخذته الجزائر بالقوة والعدوان، وتوغل الجيش المغربي يقوده الضابط العسكري الكبير العقيد إدريس بن عمر حتى أصبح على بعد 26 كيلومترا فقط من مدينة تيندوف المغربية التي تحتلها الجزائر. كما أعلنتُ عن ذلك في مؤتمر صحافي كنت أعقده مساء كل يوم بمراكش حيث كان يقيم جلالة الملك عن سير العمليات العسكرية. ثم توقفت الحرب وتراجع المغرب إلى حدوده المفروضة تلبية لنداءات، وعملا بوساطات، فدخل المغرب مسلسل العمل على إرجاع ترابه بالإلحاح في المطالبة، بينما تشبثت الجزائر بموقفها.
وأود هنا أن أخرج ورقة من مذكراتي عن هذه الفترة لأقول إن الجيش المغربي قَبِل على مضض أن يتوقف القتال طبقا لأمر جلالة الملك. وأنني حضرت مشهدا دراميا عندما جاء إلى مراكش قادما من الجبهة الكولونيل( العقيد) إدريس بن عمر الذي كان على رأس الجيش المغربي واستقبله جلالة الملك بحضور الحاج أحمد بلافريج وأحمد رضا كديرة وعبد الهادي بوطالب فخلع الكولونيل «جاكيتته» التي كانت تحمل أوسمته العسكرية ووضعها جنب الملك الحسن الثاني في إشارة منه إلى الاستقالة وقال : «مولاي لا يُقبل في المنطق الحربي والتقاليد العسكرية أن يعود جيش منتصر إلى منطلقاته الأولى كجيش منهزم». وطالب بأن تبقى وحدات الجيش المغربي حيث كانت إلى حين تسوية مشكلة الحدود. ولكن الملك الحسن الثاني صاح في وجهه أن يرتدي «جاكيتته» وأن يمتثل لأمر القائد الأعلى للجيش فتراجع الضابط العسكري الشهم، ورجع جيش المغرب إلى قواعده الأولى. وكان موقف الملك الحسن الثاني يعبر عن رغبته الصادقة في أن يعاد مدُّ الجسور بينه وبين الجزائر، وأن لا يُقطَع الطريق على إقامة المغرب العربي (الخيارِ الاستراتيجي الدائمِ للمغرب). وبالفعل حضر الملك الحسن الثاني الاجتماع التاريخي في باماكو (مالي) أواخر أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1963 وطُوي الملف المغربي ـ الجزائري إلى حين.
* وكيف تُقيِّم سياسة الرئيس بن بلا إزاء المغرب؟ ـ الرئيس بن بلا كانت السياسة عنده خاضعة للايديولوجية ومتكيفة بمقتضياتها. فمن الخلاف على الحدود قفز الرئيس إلى خلاف النُّظُم، ومن خلاف النظم سلك سبيله إلى خلاف التحالفات، فعقَّد المشكلة الجزائرية ـ المغربية وقذف به في طريق مسدود، معتقدا أن هذا التعقيد هو الحل الطبيعي، عملا بمبدأ «كم من حاجة قضيناها بتركها». لكن الرئيس الجزائري رجل الخلافات الخارجية لم يصمد أمام ما أثير بينه وبين رفاقه مكافحي جبهة التحرير من خلاف داخلي عصف به بقيام انقلاب العقيد هواري بومدين الذي نـحّـاه عن الرئاسة ووضَعَه تحت الاعتقال

كيف خطط الدليمي لتصفية الحسن الثاني في حفل

كيف خطط الدليمي لتصفية الحسن الثاني في حفل


كيف خطط الدليمي لتصفية الحسن الثاني في حفل
يكشف عنها مدحت بوريكات لأول مرة ل”الأيام”

أنا من كتبت تقريرين تسلمهما الحسن الثاني يكشفان عن اللقاءات السرية التي كان يعقدها الدليمي بفيلا سيدي قاسم للتخطيط للانقلاب عليه.

التاريخ.. التاريخ.. التاريخ…
نعم، التاريخ الذي مازال مليئا بالكثير من المناطق المظلمة…
التاريخ الذي مازال يستحق الكثير من البحث والاجتهاد…
التاريخ الذي يقود إلى القراءة الجيدة والهادئة لما حدث في الماضي، ولما قد يكون له علاقة بالحاضر وبالمستقبل أيضا…
التاريخ الذي يصبح في كثير من اللحظات متنفسا مريحا عن هذا الواقع الذي لا يستطيع المتتبع الطبيعي أن يستوعب الفرق الطبيعي بين هدا وذاك…
التاريخ الذي كانت تبدو فيه الصورة واضحة، وكان يبدو كل طرف في مكانه الطبيعي…

في التاريخ عرفتم أن مصير الحسن الثاني كاد أن يصير في خبر كان سنة 1971 خلال الانقلاب الشهير الذي قاده الكولونيل اعبابو في قصر الصخيرات، وتعلمون أيضا أن الملك الراحل كاد أن يقضي في الانقلاب الثاني بعد حوالي سنة في غشت 1972.

وتعرفون كذلك عبر أحد ملفاتنا السابقة أن صقور المؤسسة العسكرية طانوا يخططون للانقلاب على الملك الراحل قبل انقلاب الصخيرات بحوالي شهرين، وذلك من خلال المحاولة التي أعد لها الجينرال المذبوح بالطريق المؤدية للحاجب، حيث كان العاهل الراحل على موعد مع الاستعراض الرسمي للجيش في الذكرى الرابعة عشرة لتأسيسه.
هذا ما تعرفونه عن التاريخ الرسمي للانقلابات العسكرية في مملكة الحسن الثاني، فهل تعرفون أن الجينرال الدليمي كان يخطط للجلوس على العرش بعد أقل من سنة على فشل المحاولة التي قادها أوفقير في السماء؟

بعد انقلابي يوليوز 1971 وغشت 1972، قرر الجنرال الدليمي أن يكون القائد، وقرر أيضا أن تكون الطريق للوصول إلى هذا الهدف مختلفة تماما عن كل الخطط السابقة.
الدليمي فكر في طريقة خاصة جدا.

الدليمي استعان بتجربة الجينرال الكوري الجنوبي “بارك” الذي انقلب على رئيسه في بدايات الستينيات من القرن الماضي بطريقة خاصة جدا.

الشبه بين الدليمي و”بارك” هو أنهما ضابطان كبيران بصفة جنرال.

والشبه أيضا هو أن الجنرال الكوري الجنوبي كان رئيس الوحدات السرية، كما هو الشأن بالنسبة للجنرال الدليمي مع الحسن الثاني، ولذلك فقد فكر الدليمي ورتب وقرر أن ينهي مع الحسن الثاني في حفل.

القصة مثيرة جدا وليست صنعا من الخيال… فتابعوا تفاصيلها من مدحت بوريكات الذي كان واحدا من أعمدتها قبل أن يقذف به إلى ذلك المعتقل السري الشهير ب”البي.إف.3″ بضواحي الرباط الذي ما زالت تحيك به الكثير من الأسئلة.

ففي الشهر الماضي، نظمت منظمات المجتمع الحقوقي وقفة رمزية أمام المعتقل السري الشهير ب”البي.إف.3″ بضواحي العاصمة الرباط.

وقد كانت المناسبة من أجل الكشف عما حدث في ذلك المعتقل السري الذي استعمل في الفترة التي اشتغلت عليها هيئة الإنصاف والمصالحة بخصوص الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وكانت المناسبة رمزية أيضا لإعادة طرح الأسئلة التي ظلت عالقة في تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة في عهد الراحل إدريس بن زكري، من حيث الذي لم تستطع الكشف عنه في ذلك المعتقل السري.
فكم عدد المعتقلين الذين مروا من ذلك المعتقل؟ وكم عدد الذين قضوا فيه؟ ومن هم؟ وأين قبرهم بالضبط؟ وما علاقتهم بالمحاولة الانقلابية الفاشلة للجينرال الدليمي؟ وكيف اكتشف خيوطها الملك الراحل؟ وما هو الدور الذي قام به مدحت بوريكات؟ ولماذا اعتقل في “البي.إف.3″ هو وأخوه علي وبايزيد؟ وكيف تعرف على الحسين المانوزي؟ وما حقيقة عشرات الجثث المدفونة بالمعتقل؟ وهل صحيح أن الحسين المانوزي واحد من هؤلاء؟…

“الأيام” قرأت كتاب \ شهادة مدحت بوريكات “أحياء ميتون” الذي صدر في بدايات عقد التسعينيات من القرن الماضي، ثم استجوبت صاحبه الذي قضى حوالي سنتين من الاعتقال التعسفي في المعتقل السري “P.F.3 ” في نفس الفترة التي قضى فيها الكثير من المعتقلين فترات متراوحة في نفس المعتقل السري الرهيب الذي كان يشرف عليه رجالات الجينرال الدليمي، ويصف بوريكات في هذا الاستجواب المطول اللحظات الخطيرة التي قضاها بمركز الاعتقال والتعذيب الكثير من المعتقلين، وكيف التقى وإخوته بايزيد وعلي بالعملاء الفرنسيين الذين شاركوا في اختطاف واغتيال المهدي بنبركة، وما رووه لهم بخصوص مصير رأس قائد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المدفون بنفس المعتقل، وحقيقة باطن المعتقل الذي يحوي الكثير من الجثث التي كانت تدفن بعدما يتم طليها ب”الجير” رفقة ملابس الضحايا المحروقة…

- نبدأ هذا الاستجواب بالحديث عن الموقع الحقيقي للمعتقل السري النقطة الثابتة الثالثة “البي.إف.3″ التي قضيت فيها رفقة أخويك علي وبايزيد والعسكريين اعبابو وشلاط ومريزق الذين شاركوا في الانقلاب الأول بقصر الصخيرات والحسين المانوزي، فأين يوجد هذا المعتقل السري بالضبط؟

هناك ثلاث نقط ثابتة عبارة عن مراكز اعتقال سرية تكتسي أهمية بالغة من حيث الأدوار التي حددت لها في ما يتعلق بالاعتقالات والتعذيب والتصفيات، وهي النقطة الثابتة الأولى والثانية والثالثة، أما البقية فهي عبارة عن ملحقات منها التي توجد في القنيطرة وأخرى في مدينة سلا.
النقطة الثابتة الثالثة توجد في الكيلومتر السابع على طريق زعير أخذا بعين الاعتبار الحدود الجغرافية لمدينة الرباط التي اتسعت اليوم بالمقارنة مما كانت عليه في بدايات السبعينيات من القرن الماضي، ف”البي.إف.3″ إذن توجد على طريق زعير قرب إقامة للا عائشة بحوالي كيلومتر ونصف في أقصى تقدير، أما دار المقري الذي كان يقطن بدار الضيافة في منطقة أكدال خلف الحي الجامعي بالرباط، وقد كان يتوفر على ثلاث أو أربع “فيرمات” صغيرة كان يقطن بها أولاده، ودار المقري التي أصبحت معتقلا سريا فهي القصر الذي يوجد على طريق باب زعير في اتجاه حي التقدم والذي شيدت فيه الآن مدرسة للإناث ومركز صحي، وفي نفس الاتجاه المؤدي إلى دار السلام كانت هناك بضعة “فيرمات” منها واحدة كانت تحتوي على بناية من طابقين، وكانت أيضا في ملكية المقري قبل أن يستولي عليها الجينرال المذبوح وأصبحت تسمى النقطة الثابتة الثانية.

- إن فكرة إجراء هذا الاستجواب جاءت بعد الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها المنظمات الحقوقية في الشهر الماضي أمام المعتقل السري “البي.إف.3″ وهو المعتقل الذي قضيتم فيه حوالي سنتين وقد سبق أن قرأنا بعضا من تفاصيل هذا الاعتقال في كتابكم “أحياء ميتون” الذي أصدرته بعد الإفراج عنكم من رحلة اعتقال قادتكم إلى تازممارت في ما بعد، والذي يهمنا الآن هو حقيقة ما حدث في هذا المعتقل الذي تشير شهادات إلى أن باطنه يحوي جثث ضحايا، فهل يمكنكم أن تشرحوا لنا في البداية –بشكل مختصر لو أمكن- كيف تم اعتقالكم مع أنكم كنتم من المقربين للقصر؟

هناك بعض الأمور التي لم أشر إليها في الكتاب الذي أصدرته بعد الإفراج عنا –أنا وأخواي علي وبايزيد- في بداية التسعينيات من القرن الماضي من معتقل تازممارت، على الرغم من أنني حاولت التلميح إليها توضح أسباب اعتقالنا حوالي ثمانية عشر سنة، وتعود بالضبط إلى العلاقات السيئة التي كانت تربط الجينرال مولاي حفيظ بوالدي منذ فترة الاستعمار، وقد ظلت هذه العلاقة متوترة كذلك في عهد الاستقلال، لدرجة أنهما لم يكونا يتبادلان الحديث، مع أنهما كانا مقربين من محمد الخامس الذي عين مولاي حفيظ الذي كان حينها كولونيل مديرا لديوان ولي العهد، وكان والدي يعمل في مصلحة بوزارة الدفاع تابعة بشكل مباشر للملك محمد الخامس.
وقد ظلت العلاقات متوترة بين مولاي حفيظ والعائلة وبالضبط اتجاه والدتي بعد وفاة والدي، حيث كان ينتظر الفرص المناسبة للاعتداء عليها، مع العلم أن هناك بالقصر من كان يتدخل لمنعه، ثم إن مولاي حفيظ كان من المقربين إلى الدليمي الذي لم تكن تربطه بعائلتنا علاقات عادية.

- لماذا؟

القضية تعود إلى الستينيات من القرن الماضي حينما اكتشفنا منجما للرخام من النوع الجيد بالقرب من الراشيدية تبلغ مساحة طوله حوالي 400 كيلومتر، وقد شرعنا في استغلال هذا المنجم بعد حصولنا على رخصة من الحكومة، وهنا بدأت الخلافات تتطور مع فرنسيين أرادوا بدورهم استغلال المناطق المجاورة لنا، حيث اتصلوا بالدليمي –خصوصا أنهم كانوا يتوفرون على رخصة مؤقتة- فأصبح شريكا لهم من خلال زوجته، فبدأت الصراعات القوية تتزايد بيننا، ثم تطورت إلى ما هو أخطر حينما بدأوا يضغطون على الدليمي لمواجهتنا بعدما تأكد لهم أنهم لن يقووا على منافستنا بالنظر للعلاقات المهمة التي كانت تربطنا بشخصيات وازنة في الدولة، فتم في البداية تغيير الصبغة القانونية للأراضي المنجمية فأصبحت ملكا للدولة، وبالتالي أصبحت خاضعة لقانون الصفقات لاستغلال الأملاك العمومية، وهذا ما جعلنا نتواجه مباشرة مع الطرف الذي كان يحتمي بالدليمي في المزاد العلني بخصوص صفقة استغلال المنجم.

- متى حدث ذلك؟

في نهاية سنة 1971، وفيما استمر الشنآن بين مولاي حفيظ وبين والدتي دخل على خط المواجهة الجينرال الدليمي من خلال الصراع للحصول على صفقة استغلال منجم الرخام التي آلت إلى مجموعة الدليمي.

وفي هذه الأوقات كانت لي علاقات كثيرة مع شخصيات مهمة في مقدمتها عائلة آل زمور الذين لم تكن علاقاتهم بمولاي حفيظ والدليمي على ما يرام، بل إنهم كانوا على نقيض مصالح الدليمي، وكان أحد أفراد هذه العائلة وكيلا للملك بمدينة أكادير اسمه عبد السلام بن حمو، وكان صديقا لشخص آخر اسمه باعزات الغازي أحد أكبر الشخصيات المؤثرة في آل زمور وقد كان يعمل شرطيا في عهد أوفقير، وكان هذان الشخصان صديقين ومقربين أيضا للوزير السابق عبد السلام الزموري، وكان هؤلاء الثلاثة نماذج من الأصدقاء الذين كنت التقيتهم في الخميسات وخارجها، حيث كنا نقضي الكثير من الأوقات في ما بيننا إلى جانب شخصيات أخرى أتذكر من بينها الكولونيل “ع” الذي كان من بين الضباط الكبار الذين لم يشاركوا في انقلابي الصخيرات والطائرة مع أنه كان على علم بهما، وللإشارة فإن عائلة آل زمور لم تحضر الحفل الذي كان الحسن الثاني قد أقامه في قصر الصخيرات قبل أن يهجم عليه رجالات الكولونيل اعبابو مع أنها كانت مدعوة إليه…

وقد شاءت الصدف في إحدى المناسبات أن طلب مني عبد السلام بن حمو ونحن على مائدة الغذاء الحديث إلي وجها لوجه بعد أن يتفرق الجميع…ثم أخبرني أن الجنرال الدليمي يعد للانقلاب على الحسن الثاني، وأن على والدتي التي كانت تدخل القصر في أي وقت تشاء أن توصل هذا الخبر إلى الملك.

- هل كانت البلاد قد عاشت حينها انقلاب الطائرة؟

نعم، وقد كان الجنرال الدليمي يستعد للانقلاب على الحسن الثاني في السنة الموالية لفشل انقلاب الطائرة، وقد عرف بن حمو هذا الخبر الخطير من طرف آل زمور الذين كانت لهم علاقات متشعبة في هرم الدولة بمن فيهم الضابط الكبير أخ الوزير السابق الذي كان جينرالا في الجيش مسؤولا عن قوات المشاة، وقد أخبرني عبد السلام بن حمو أن رجالات الدليمي يحاولون استقطاب الجينرال الزموري، وأن هذا الأخير كان يحس بالرعب مما كان يعد له الدليمي، وأنه مرعوب أكثر من الاستمرار في اللقاء برجالات الدليمي الذين لم يكونوا على علم أنه قد أفشى أسرارهم…

وأنه لكل ذلك يريد إخبار الملك، وحينما سألته عن السبب الذي يمنع الجينرال من إخبار الملك بنفسه حين اللقاء به في الاجتماع الشهري الذي كان يصر الحسن الثاني على عقده مع قيادات الجيش، رد أن أعين الدليمي التي تراقب الملك من جميع الجهات تمنعه من المخاطرة، بالإضافة إلى أن الدليمي لم يكن يفارق الملك الحسن الثاني وكان يقضي معه تقريبا كل فقرات برنامجه اليومي، بما فيها الفترة التي كان الحسن الثاني يعشق ممارسة رياضة الكولف، وهذا ما يعني أن الاتصال بالملك في تلك الفترة الخاصة مجازفة غير متوقعة العواقب، ولذلك فقد اتفقت مجموعة آل زمور على إخبار السحن الثاني عن طريق تقرير مكتوب، على أن يترك له مجال التصرف ومعرفة المزيد من المعطيات إذا أراد ذلك، كما تم الاتفاق على إخبار الملك باستعداد الجينرال –الذي كان ما يزال حينها يجتمع مع رفاق الدليمي- بوضع أجهزة تصنت على مجموعة الدليمي للتأكد مما يعدون له بشكل خفي في فيلا بنواحي مدينة سيدي قاسم مسقط رأس الدليمي…

الاقتراح الثالث الذي تقوم به عبد السلام بن حمو هو أن تقوم والدتي بإيصال هذا الخبر إلى الملك باعتبارها كانت تدخل القصر في أي وقت، وباعتبارها أيضا الحلقة الآمنة التي بإمكانها أن توصل الخبر دون أن يلتقطه رجالات الدليمي المبثوثون في القصر، لكنني رفضت هذا الاقتراح بشدة واستبعدت إدخال والدتي في مثل هذه القضايا الكبيرة والخطيرة، ثم فكرت بعد ذلك في وسيط آخر لم يكن سوى صديقة الملك الفرنسية الأصل الفنانة “إيتشيكا شورو” التي كانت تعرف الحسن الثاني منذ أن كان وليا للعهد، وقد تكلف أخي علي الذي كان من بين المقربين إليها بإخبارها بالانقلاب الذي يعد له الدليمي، وبعدما رفضت بدورها القيام بهذه المهمة اقترحت أن يقوم بها زوجها “فيليب”، وقد أبدى هذا الأخير في البداية استعدادا لإخبار الملك، لكن شريطة أن يتم ذلك شفويا ودون أن يسلمه أي تقرير مكتوب، وهذا ما حدث فعلا حينما كان “فيليب” برفقة الحسن الثاني في الكولف الملكي، فكان أن اتصل الملك بأخي علي الذي التقاه وسلمه التقرير الذي كنت أنا من كتبته.

- وما هو مضمون التقرير الذي كتبته؟

كان يضم كل المعلومات التي سلمها لي عبد السلام بن حمو، وتتعلق بالاستعدادات التي كان يقوم بها الدليمي للانقلاب على الحسن الثاني، من طبيعة اللقاءات التي كان يعقدها إلى المشاركين فيها من العسكريين والمدنيين…

- مثل من؟

من الضباط العسكريين من قبيل الجنرال المسؤول عن قوات المشاة أخ الوزير السابق عبد السلام الزموري الذي تراجع عن المشاركة في هذه المحاولة، والكولونيل “ع” الذي تراجع بدوره عن المشاركة في هذه المحاولة مثلما رفض المشاركة في انقلابي الصخيرات والطائرة اللذين كانا في علمه، بالإضافة إلى أربعة كولونيلات منهم ضابطان من درجة كولونيل من الدرك الملكي، وقد كان عبد السلام بن حمو هو الذي يمدني بهذه المعطيات التي صغتها في تقرير سلمته لأخي الذي سلمه بدوره ل”فيليب” الذي أعطاه للملك.

لم يسلمني بن حمو أسماء كل الضباط الذين كانوا يهيئون بقيادة الدليمي للانقلاب على الحسن الثاني، وإنما أعطاني معطيات دقيقة عن عددهم وصفاتهم والمكان الذي كانوا يجتمعون فيه بنواحي سيدي قاسم، وأتذكر بالمناسبة أن من بين الذين كانت لهم صلة بهذه المحاولة وكلاء للملك ومحامون… ولا أعتقد أن يكون من بينهم سياسيون، مع العلم أن الدليمي كان يتوفر على منزل بسلا بالقرب من منزل قائد في حزب وطني في ذلك الوقت.

- هل هذا يعني أن هذا القائد السياسي كان على علم بالانقلاب الذي يعد له الدليمي؟

الله أعلم، لكنني التقيت الدليمي في إحدى المناسبات بالقرب من منزل ذلك القائد متخفيا في جلباب وبلحية غريبة ونظارات ويمتطي سيارة صغيرة من نوع “رونو”، مثلما كان يتوفر على شقة بالقرب من كنيسة بالرباط.

- ولماذا كان الدليمي متخفيا بهذا الشكل؟

الله أعلم، لكنه في كل الأحوال بغرض القيام بعمل لا يريد أن يكتشفه العامة، ولربما من أجل الاتصال بذلك القائد.

- وما هي الخطة التي كانت موضوعة للانقلاب على الحسن الثاني؟

الخطة كانت تهدف إلى استكمال ما بدأه أوفقير.

- كيف؟

كانوا يخططون لتنفيذ نفس السيناريو الذي تزعمه الجنرال “بارك” في كوريا الجنوبية.

- كيف؟

الخطة كانت تهدف إلى اغتيال الملك في حفل، بنفس الطريقة لتي قام بها الجينرال “بارك” الذي كان رئيسا للأجهزة السرية في كوريا الجنوبية بقتل رئيس الدولة، وقد كان الدليمي يخطط للانقلاب على الحسن الثاني من خلال تصفيته في إحدى الحفلات الكثيرة التي كان يقيمها الملك الراحل، خصوصا أن رجال الدليمي من كبار الضباط يكونون برفقة الملك بلباسهم الرسمي وبأسلحتهم.

صحيح أن الحسن الثاني قرر منع الضباط من حمل أسلحتهم خلال اللقاءات الرسمية التي كان يعقدها معهم بعد فضل محاولة الانقلاب الثانية، وصحيح أيضا أنه منعهم من حمل أسلحتهم خلال الحفلات التي كان يقيمها بين الفينة والأخرى، لكن الحراس الخاصين لهؤلاء الضباط كانوا دائما مسلحين بذخيرة حية.

- وما علاقة هذه المحاولة بالأجهزة السرية الأجنبية كما جاء في كتابكم؟

من الطبيعي أن تكون بعض الأجهزة السرية الأجنبية على علم بهذه المحاولة، خصوصا المخابرات الأمريكية التي كانت تراقب الدليمي الذي كان يعمل مع المخابرات الفرنسية، وهذا ما يعني من جهة ثانية أن المخابرات الفرنسية من المفترض أن تكون بدورها على علم بهذه المحاولة.

- تحدثتم قبل قليل عن معطى يبدو مثيرا حول علاقة محامين هذه المحاولة التي كان يعد لها الدليمي.

نعم.

- كيف؟

كان من بين المنخرطين في هذه المحاولة محامون، ومن بينهم محام أعرج من منطقة زعير كان من بين القريبين للجينرال الدليمي.


كيف خطط الدليمي لتصفية الحسن الثاني في حفل


كيف خطط الدليمي لتصفية الحسن الثاني في حفل
المعتقل السري الذي ابتلع باطنه الكثير من الجثث

“دوباي” أكد لأخي علي أن أوفقير فصل رأس بنبركة وأشار له عن المكان المدفون فيه في “البي.إف.3″

- لننتقل إلى الجزء الثاني من الاستجواب للحديث عن المعتقل السري النقطة الثابتة الثالثة التي قضيتم فيها حوالي سنتين، فهل التقيتم في هذا المعتقل بالفرنسيين الذي شاركوا في اختطاف واغتيال المهدي بنبركة؟

نعم، لقد التقينا بثلاثة منهم “بوسشيش”و”دوباي” و”باليس” فيما تمت تصفية رابعهم “لوني” بعد تعذيبه في نفس المعتقل حينما أعيد إلقاء القبض عليه بالقرب من الكوميسارية التي توجد بضواحي مدينة سلا في اتجاه طريق طنجة بعد فراره من “البي.إف.3″…

- وهل تأكدتم أنه دفن بنفس المعتقل؟

نعم، وقد أخبرنا بذلك أحد حراس المعتقل اسمه مولاي علي الذي تم قتله هو الآخر بعد عملية فرارا الفاشلة ليلة 12 \ 13 يوليوز 1975، كما أكد لنا هذا الخبر أحد المعتقلين الثلاثة.

- وما مصير أولئك العتقلين الثلاثة؟

يجب أن تعرفوا أن أولئك الفرنسيين الثلاثة الذين شاركوا في تصفية بنبركة قضوا بالنقطة الثابتة الثالثة شهورا قبل أن يتم اعتقالنا، وقبل أن يلتحق بالجميع فوج آخر كان يضم كوميسير، وطالب كان يدرس بالقاهرة وجاء للمغرب للقاء عائلته، والحسين المانوزي، والعسكريون الأربعة الذين شاركوا في انقلاب الصخيرات وهم عقا والشلاط ومريزق واعبابو، ثم عكوري الموظف ببلدية الرباط.
وبعد مرور مدة معينة غادر هؤلاء الفرنسيون المعتقل السري، وحينما سألت الحارس مولاي علي عن السبب، أجابني بأنهم أحيلوا على مكان آخر من أجل الراحة، لكن بعد مرور حوالي شهر أعادوا كل واحد منهم متخفيا في ملاءات في عز الحر في شهر غشت، ثم وضعوهم تباعا في زنازن فارغة وألقوا عليهم قطعا كبيرة وكثيرة من الثلج كي لا تفوح رائحتهم، وقد ظلوا على هذه الحالة من الساعة العاشرة صباحا إلى حوالي منتصف الليل قبل أن يدفنوهم في حفرة في مكان مقابل للزنزانة التي كان يوجد فيها عقا، وهو المكان الذي دفن فيه الكثير من الأشخاص.

- ما الذي حكوه لكم عن مصير جثة بنبركة؟

أخبرونا أن أوفقير قطع رأس بنبركة ووضعها في حقيبة قبل أن يتم دفنها في “البي.إف.3″.
لقد أكد “دزباي” الذي قضى فترة بالزنزانة المجاورة لأخي علي أن أوفقير فصل رأس بنبركة عن جسده، وأشار له إلى المكان المدفون فيه الرأس في نفس المعتقل.
وأتذكر أنه حينما كان يستنطقني أحد كبار الأمنيين في مكتبه شاهدت صورا كبيرة لهؤلاء الفرنسيين برفقة أوفقير في حفل بلباس “السموكين” يحتسون “الشامبان”، وأنا أعرفهم منذ أن انفجرت قضية بنبركة، حيث اطلعت على صورهم في جلة فرنسية اسمها “إيستوريا”.

- إذن “دوباي” هو الذي قال لأخيك علي إبن رأس بنبركة مدفونة في ذلك المعتقل؟

بالتأكيد.

- وهل كنتم تلتقون بالمجرمين الذين شاركوا في اغتيال بنبركة؟

لا، لكننا كنا نشاهدهم يجوبون ساحة المعتقل من ثقب الزنازن، أما “دوباي” فقد أخبر أخي بمصير رأس بنبركة بعدما انتقل إلى الزنزانة المجاورة لعلي بسبب تضرر سقف زنزانته الأولى.

- من الذي قتل الحارس مولاي علي؟

قتله رجال شرطة، وليس هو الوحيد الذي تمت تصفيته بالمعتقل، حيث قتل العديد من حراس باقي النقط الثابتة مباشرة بعد فشل محاولة هروبنا من المعتقل في ليلة 12 و13 يوليوز 1975، وقد كان الدليمي يفتح الزنازن ويضرب من ها بالنار الواحد تلو الآخر، كما تمت تصفية الكثير من المعتقلين بعد تعذيبهم وتم دفنهم بنفس المعتقل.

- ولماذا قتلهم؟

الله أعلم، لكنني شاهدت من ثقب الزنزانة كيف كان الدليمي يقتلهم تباعا.

- وهل أعبابو ورفاقه مدفونون بدورهم في نفس المعتقل؟

بالتأكيد، قتلوهم في الصباح ودفنوهم في الليل.

- كم عدد الضحايا المدفونين في النقطة الثابتة الثالثة؟

كثيرا ما كنا نسمع في الجهة الأخرى من “البي.إف.3″ التي لم نكن نشاهد ما يجري بفضاءاتها بسبب الحائط الذي كان بفصلنا عنها، أصوات الحفر بين الفينة والأخرى، وقد يكون الدليمي لوحده قد قتل حوالي 30 شخصا في ذلك الأسبوع الذي كان قد عرف تصفية حراس النقط الثابتة بمن فيهم حراس النقطة الثابتة الثالثة.

- وهل الحسين المانوزي هو الآخر من الضحايا المدفونين بذلك المعتقل؟

بكل تأكيد.

- وهل هناك دليل على ذلك؟

يصعب علي أن أكشف عنه الآن مع العلم أن المسألة محسومة بالنسبة لي.
إن التحليل الذي قمت به يؤكد أن المانوزي مدفون في “البي.إف.3″، مع العلم أن أعمالا جرت في هذا المعتقل سمحت ببناء تلك البناية الجديدة والتي لم تكن في السابق.

- بمعنى؟
يعني أن جزءا من هذا المعتقل تغيرت ملامحه مع أنه كان عبارة عن “فيرمة” صغيرة تبلغ مساحتها حوالي ثلاثة إلى أربعة هكتارات، وهذا ما يعني أن جثثا توجد تحت البناية الجديدة، وقد شرع في حفر جزء من المعتقل بعد الزيارة التي قامت بها “فرانس 3″ لعين المكان.

- هل يعني هذا أن تكون بقايا الجثث قد أتلفت حسب الرواية التي تقدمونها الآن؟

لا، ويمكن العثور على بقايا جثث ملطخة ب”الجير” بتلك الملابس المحروقة في تلك الحفرة الكبيرة المكسوة بالنعناع في نفس المعتقل.

- كم عدد الجثث المدفونون في النقطة الثالثة الثابتة؟

النقطة الثابتة الثالثة استعملت لاعتقال وتعذيب ودفن العديد من الذين تم اعتقالهم خلال الأحداث الاجتماعية والسياسية التي عرفها المغرب بين الفينة والأخرى.


الأحداث المغربية

ابن أخ الجنرال الدليمي يتهم مسؤولين بتصفية عمه

فؤاد مدني*:

Wednesday, January 12, 2011

لأول مرة يخرج فرد من عائلة الجنرال أحمد الدليمي ليحكي قصة هذا الموت السياسي الغامض الذي كانت آخر مشاهده جثمان الجنرال تحت عجلة شاحنة بالقرب من حي النخيل في مراكش. هشام الدليمي، ابن أخ الجنرال أحمد الدليمي، خص أسبوعية “أكتييل” بحوار مطول اتهم فيه مباشرة العديد من الأسماء الوازنة، منها من رحل ومنها من ما زال على قيد الحياة، بتدبير المؤامرة ونصب الكمين لاغتيال عمه، كما يحكي تفاصيل آخر لقاء جمع الدليمي بالملك الحسن الثاني، وكيف كان الجنرال يتصرف مع ملك البلاد قبل أن يموت في نفس الليلة.. إنها آخر قصص الموت الغامض لهذا الجنرال القوي في تاريخ المغرب المعاصر، وأول شهادة لفرد من العائلة في هذا الموت.

- إذا لم تكن الشاحنة قد دهست الدليمي، فلماذا يفترض أن الجنرال قد تمت تصفيته؟

إنها مؤامرة. الجنرال الدليمي صار مستهدفا لأنه كان يملك السلطة الحقيقية. الملك والدليمي كانا ملتحمين كخيوط الكهرباء، فالجنرال كان الوحيد الذي يستطيع الاحتفاظ بسلاحه عندما كان يلتقي بالملك، وقد كان يناهضه كل الذين كان يقضم سلطتهم، لأن الدليمي كان يتحكم في كل شيء، في التعيينات كما في أصغر التراخيص. فللحصول على جواب بنعم أو لا كان لا بد من المرور عبره.

- من قتله؟

المؤامرة صنعها الثلاثي إدريس البصري ومولاي حفيظ العلوي، المسؤول البروتوكول، وأحمد رضا اكديرة، المستشار السياسي وعراب القرارات السياسية للملك الحسن، ولكن محمد المديوري، المسؤول عن أمن الحسن الثاني، هو من كان وراء كل شيء.

مثل البصري، كان المديوري أحد رجالات الجنرال الدليمي الذي تسلق السلم بسرعة كبيرة، وحصل على ثقة الملك، وكان الجنرال معجبا بحسه الفكاهي، لكن في أواخر سنة 1982 سلم الكولونيل محمد بوعطار، الذي كان آنذاك المشرف على الاتصالات الهاتفية للقصر، ملفا حساسا عن المديوري إلى الدليمي، فاستدعاه إلى إقامته بحي النخيل بمراكش. استقبله ببرودة وقال له بكل بساطة: “اجلس وافتح هذا الملف”، وعندما فتحه المديوري بقي فاغرا فاه، ولم يترك له الدليمي الوقت ليدافع عن نفسه واكتفى بأن قال له: “أمنحك بعض الأيام لتفسر ذلك بين يدي جلالة الملك” وأعفاه.

- ماذا حدث فيما بعد؟

فيما يشبه الصدفة، وجه فرانسوا غروسوفر، نظير الجنرال الدليمي آنذاك لدى فرانسوا ميتران، دعوة لرحلة صيد إلى الدليمي في قطاعات “شامبور”، (أحد أكبر الفضاءات الغابوية في فرنسا). فالصيد كان هواية الدليمي، كما كانت فرصة للتحضير لزيارة ميتران إلى المغرب.

- هل اهتم بقضية المديوري بعد عودته؟

لا، فعندما عاد في حدود 20 يناير، ذهب مباشرة إلى ضيعته في سيدي قاسم ليرتاح.

- هل كان يشك في وجود مؤامرة؟

عندما كان يتجول في سيارته مع أحد أفراد العائلة، على ألحان أغنية لفريد الأطرش، أخرج سلاحه ووضعه على لوحة قيادة السيارة، وقال: “عندما يجرون رجلا بريئا في اتجاه المشنقة يجب أن يذهب إليها بفخر وبرأس مرفوعة”، لقد كان بالتأكيد يتوفر على معلومات.. في اليوم الموالي وهو في الرباط يتناول وجبة الإفطار مع صديق عزيز عليه، كان بالكاد قد وصل من مراكش تلك الليلة، حيث أخبره بأنه التقى بالمديوري والجنرال بن سليمان في صالونات المامونية، وأنه سمعهما يقولان بكل وضوح: “إن هناك كارثة تدبر في الصحراء”، واكتفى الدليمي بالتعليق: “إنها حيلة من حيل حسني بن سليمان”. فيما بعد حذره صديقه من البصري أيضا قائلا: “لا تثق في البصري، إنه يحرض المقربين منك عليك”، ولكن الدليمي أجابه: “من هو هذا البصري؟ إنه مجرد بوليسي”.

- هل كان الدليمي يقلل من قدر البصري؟

كان العديد من الناس ينصحون الدليمي بعدم الثقة في البصري، ومن بينهم والدي، لأنه خلال الأحداث التي عرفتها الدار البيضاء سنة 1981، جاء البصري عند والدي وترجاه لكي يتدخل له عند الجنرال الدليمي، وكان البصري يلبس في ذلك اليوم بذلة خضراء وكان وجهه يشبه لون تلك البذلة وقال لوالدي: “أنقذني وإلا سأفقد منصبي”. وعندما دافع الدليمي عن البصري أمام الملك، تغيرت تصرفاته كثيرا، وبدأ يبتعد عن الجنرال. لاحظ والدي ذلك وقال لأخيه: “يجب قص جناحه”.

- ولكن الدليمي لم يفعل ذلك؟

ربما كان الوقت قد فات.. لأن البصري كان قد حصل على الثقة الكاملة للحسن الثاني.

- تتهم أحمد اكديرة أيضا بالمشاركة في المؤامرة، بماذا تدعم هذا الاتهام؟

أعرف أنه كان معاديا للدليمي. وحسب ما علمته من عائلتي، فخلال لقاء مع وفد جزائري بأوطيل ريشموند بجنيف صفع الدليمي أحمد رضا اكديرة. لقد اغتيل عمي لأنه صار صاحب شعبية كبيرة في صفوف الجيش وأيضا في ربوع المملكة. وحسب برقية للمديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي، فإن الحسن الثاني احتاج إلى سنة لتهدئة الجيش.

- كيف مر آخر يوم في حياة الجنرال الدليمي؟

عندما هم بمغادرة الرباط ،قال لأحد أبناء عمومتنا: “إلى الغد إن شاء الله”، وهو لم يعتد أبدا على قول تلك العبارة.. عندما وصل إلى مراكش توجه إلى إقامته بحي النخيل مرفوقا بالكولونيل برنيشي، المسؤول عن المكتب الثالث (المخابرات العسكرية)، الذي أسر له بالكلام التالي: “يجب أن أتوجه إلى القصر، سيتطلب الأمر ساعتي زمن، يجب أن نتحدث حول الصحراء”.

- لكنه تحدث مع الملك في مواضيع أخرى، ونعلم أن هذا اللقاء كان عاصفا. هل أنت على علم بما دار من حديث؟

لقد بدأ الملك باستفزازه منتقدا تصرفاته: “أنت تصل متأخرا، وتتحدث عني، ولا ترد على مكالماتي”، ورد عليه الدليمي بالقول: “هذا ليس إلا مكر البصري والعلوي. جد لي تعليلات أخرى حول تدبير البلاد ولا تحدثني عن تصرفاتي”.

- ومن كان حاضرا في هذا اللقاء؟

مولاي حفيظ العلوي، الدليمي والملك.

- لم تكن وراء الباب، فكيف علمت بما دار من حديث في ذلك اليوم؟

إن مستخدما من الأمن هو من حكى لي كل شيء. الدليمي كان يتحدث بصوت مرتفع. واللقاء توقف لأن الملك كانت لديه مقابلة تلفزيونية مع التلفزة الفرنسية في حدائق القصر. نرى الدليمي في مشاهد تلك المقابلة مرتديا بذلة بنية، وفي إحدى اللحظات عندما كان الملك يرد على أسئلة الصحافي، كان يهم بحمل علبة سجائره وأسقطها، لقد ارتعشت يده، وهو أمر لم يكن يحدث له أبدا. الدليمي لمحه. وكان يعرف الحسن الثاني أكثر من أي شخص آخر. الأكيد أن الدليمي كان يقول لنفسه في تلك الأثناء: “سوف يقدمون على تصفيتي”، لقد كان يغلي في دواخله، أنا أعرفه لأن ملامحه تشبه ملامح أبي عندما يكون غاضبا.

- هل قال للحسن الثاني إنه فهم أن هناك من يريد قتله؟

نعم، عندما كان في غرفة خاصة مع الحسن الثاني ومولاي حفيظ العلوي، وصرخ: “أعددتم لي الكمين، لا جدوى من الكذب علي.. أنا أعرفكم أكثر من أنفسكم”، لقد فقد السيطرة على أعصابه وكان يصرخ بقوة، حتى إن الحرس الخارجي للقصر سمعوه عندما كان يقول: “هل تتهمونني رغم أنني مزقت أحشائي من أجلكم وخدمة للعرش. إذا ما صفيتموني فسوف تفقدون الصحراء”.

- وماذا كانت ردة فعل الملك؟

حاول تهدئته. مولاي حفيظ العلوي قال أيضا: “شيئا من الهدوء مون جنرال، فأنتم على كل الأحوال تخاطبون جلالة الملك”، فرد الدليمي: “أنت أغلق فمك”، فيما بعد غادر الغرفة وصفق الباب خلف ظهره.

- في هذه الأثناء، كان بإمكان الدليمي أن يعلم مخلصيه

وذلك ما فعله. حيث شوهد عند بوابة القصر وهو يتحدث إلى الكولونيل بوعطار، وفي الغالب سيكون طلب منه أن يجمع رجاله.

- والرجال لم يأتوا أبدا…

على العكس من ذلك تماما، لقد أكد لي أحد أصدقاء بوعطار أنه بمجرد أن غادر الدليمي القصر، جاء رجل أمن ونادى على بوعطار ليخبره: “مون كومندان جلالته يطلبك”. وبمجرد أن دخل الكومندان إلى الغرفة حاصره المديوري بمساعدة رجال من أمن القصور. اختبأ المديوري ليوم كامل. لقد كان يعلم أنه إذا رآه الدليمي سوف يقتله، ولقد أكدوا لي ذلك. الجنرال الدليمي أعطى أمرا واضحا للكومندان بوعطار: “إذا رأيت المديوري فاقتله”.

- ولكن لماذا عاد إلى بيته عوض اللجوء إلى أقرب ثكنة عسكرية ليحتمي بها؟

بالفعل، كان بإمكانه الذهاب إلى القاعدة العسكرية بن جرير، ومن هناك في اتجاه الصحراء. لكنه كان يعتمد على تعزيزات بوعطار وكان يعتقد أن إقامته محروسة جيدا. لقد غادر القصر في حدود الساعة السادسة مساء. وكان من المفترض أن تتحرك فرقة عسكرية مؤلفة من 15 جنديا بعد زوال ذلك اليوم للإشراف على حراسته الليلية، لكن هذه الفرقة تلقت أوامر بعدم التحرك…

في النهاية، الدليمي كانت لديه الثقة في نفسه: لقد كانت لديه سيارة مرسيدس مصفحة، وكان مسلحا، ولديه قنابل حارقة، كما أن سائقه، المسمى “نجا”، كان أحسن قناص في البوليس المغربي، وهو ما يجهله العديد من الناس.

- كيف نسجت خيوط الكمين؟

في تلك الفترة، كانت البنايات في حي النخيل بمراكش لا تزال قليلة، والطريق التي اختارها كانت غير معبدة (بيست) تملؤها تلك العربات المراكشية المخصصة للسياح، ولم يكن بالإمكان السير بأكثر من 50 كلم في الساعة.

- إذن الشاحنة الشهيرة لم يكن بإمكانها قطع ذلك الطريق؟

في كل الأحوال لم يكن بإمكانها أن تتسبب في قتل شخص بتلك السرعة وفي سيارة مرسيدس مصفحة. لكن هذه الشاحنة كانت متواجدة بالفعل، رغم أنها لم تكن شاحنة كبيرة. عمي وجد نفسه وجها لوجه أمام هذه الشاحنة التي تعترض طريقه، وكل أضوائها مطفأة. وعندما حاول الرجوع بسيارته إلى الوراء، تم اعتراض طريقه بسيارة من نوع “أودي”. ووجهوا قذيفة نحو سيارته، لكن السيارة المصفحة تحملت القذيفة ورد الدليمي برمي القنابل الحارقة، فيما كان سائقه يطلق الرصاص. بعد ذلك أخرج الدليمي رشاشه “الأوزي” وبدأ يقتنصهم.

لقد حكوا لي أن الدليمي وسائقه “نجا” تمكنا من تصفية المجموعة الأولى من المهاجمين، فتدخلت مجموعة ثانية، ومات الدليمي وسلاحه في يده ربما بسبب انتهاء الذخيرة. لقد كان جسده مثخنا بالرصاص، ثم قاموا بدهس جسده تحت عجلة الشاحنة لإخفاء معالم الجريمة. أما بالنسبة إلى السائق، فالمهاجمون كانوا مليئين بالكراهية، وأحرقوه حيا على كرسي السيارة.

- هذه المذبحة لم يكن بالإمكان أن تمر بصمت…

بمجرد أن فاحت الرائحة، قام رجال من الدرك الملكي بمحاصرة المنطقة لمنع أي تعزيزات محتملة من الوصول إلى المكان. القنابل الحارقة التي رمى بها الدليمي أحرقت بعض النخيل، مما اضطر رجال الإطفاء إلى التدخل بسرعة لكي لا تنتشر النيران. كان الكولونيل برنيشي أول الواصلين إلى مكان الحادث. وعندما لمح جثمان الدليمي تحت عجلة الشاحنة بدأ في البكاء، وقال: “في أي حال وضعتم مون جنرال”.

- هل الكولونيل برنيشي إذن هو من تعرف على الجثمان؟

لقد نودي أيضا على “ماجوردوم” من فيلا الجنرال الدليمي، كشفوا له عن يده وسألوه إن كانت هي يد الدليمي. فرد: “نعم أعرف ساعة المعلم.. إنها يد سيدي”. فيما بعد جاء فقيهان ليغسلا الجسد، وعلى ما يبدو فقد تمت تصفيتهما فيما بعد.

- إذن لا أحد شاهد حقيقة جثمان الدليمي، مما قد يرجح أطروحة أن الدليمي عاش بعد الهجوم؟

لقد خبؤوا الجثمان لأنهم لم يكونوا يريدون أن تنكشف آثار الرصاص على جسده. القصص التي تقول إن الدليمي انتهى في “الكاشو” مجرد كلام. أنا لا أصدقها. إنها مثل قصة السيد الحريزي الذي يقولون إنه نجا من الحادث، قبل أن يتبخر، بضربة حظ، في مكة. لا أصدق هذا الكلام ولو لثانية.

- ولكن ما الذي سيجعل قصتك أكثر مصداقية من كل القصص الأخرى؟

لقد خصصت 15 سنة من حياتي من أجل البحث عن الحقيقة. التقيت بالعديد من الشهود واستمعت إلى متغيرات كثيرة، لكن ما حكيته لك هو خلاصة مقابلة مع 4 أشخاص، ثلاثة منهم كانوا حاضرين يوم موت الدليمي، وشهاداتهم متطابقة.

- من المستفيد من الجريمة؟

كل من حصلوا على مناصب مهمة بعد موته: حسني بن سليمان، الذي استعاد الجيش. البصري، الذي صار الرقم 2 في النظام وسيد وزارة الداخلية دون منازع. المديوري الذي فلت بجلده…

- والملك الحسن الثاني في كل هذا؟ هل كان ضحية تلاعب؟

لقد أعطى موافقته لأن الأمر انتهى به إلى الخوف من الدليمي. البصري وكديرة وبقية المجموعة زرعوا الشك فيه، ربما بالتعاون مع أجهزة مخابرات غربية. في فرنسا لم يغفروا للدليمي أنه أهان مخابراتهم في قضية المهدي بنبركة. في أحد الأيام طلبت عائلتي المساعدة من شخصية فرنسية عالية المستوى، فقالت طلنا: “الدليمي سبب لنا الكثير من الآلام. لن نرفع حتى أصبعنا الصغير من أجل أخيه”، ومن المحتمل أن تكون الفرقة التي هاجمت الدليمي جاءت من الخارج.

- لماذا أنت أول شخص من أفراد عائلة الدليمي يقرر الحديث عن الموضوع للصحافة؟

هذه القضية أثرت في كثيرا، فأبي أقيل من كل مهامه، وعائلتي انقسمت. لقد أصابتنا طلقات هذه القضية ظلما، ووجدنا أنفسنا في باريس في وضع اللاجئين السياسيين. وفي حين أن زوجة الدليمي وأولاده بقوا في حماية القصر، البصري تكالب علينا. جدي كان يقول لي دائما إننا لسنا خونة. لكن قتلة الدليمي وسخونا ورموا بذاكرة الجنرال إلى المجهول، في الوقت الذي يحسب له أنه قام بتحديث الجيش المغربي والأجهزة وحارب البوليساريو. لم يتآمر أبدا على الملك. ينبغي إعادة إحياء ذكراه، ويجب أن نعرف أسماء قتلته.

*يومية”أخبار اليوم” بتصرف عن أسبوعية “أكتُويٍيل”

من قتل الجنرال الدليمي؟


من قتل الجنرال الدليمي؟
خلف الرواية الرسمية، التي أكدت أن الجنرال أحمد الدليمي توفي إثر زيغ شاحنة صدمت سيارته، توجد حقائق أخرى ظلت غامضة عن الطريقة التي قتل بها الجنرال، تماما كغموض شخصيته.

“أوال” تكشف، في هذا الملف، عن جوانب أخرى ل”حادث” مقتل الجنرال، الذي دفنت معه أسراره، تماما، كبنبركة وبعده أوفقير.

تقول الرواية إن قائد المنطقة العسكرية الجنوبية، الجنرال أحمد الدليمي، لقي حتفه في حادثة سير في حدائق النخيل في طريقه إلى إقامته بمراكش كان قد تلقى في اليوم السابق مكالمة من الجنرال مولاي حفيظ العلوي، وزير القصور والتشريفات، تدعوه إلى الحضور فورا إلى عاصمة النخيل، إذ كانت تجري تحضيرات لاستقبال الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في أول زيارة رسمية له إلى المغرب في مطلع 1983، بعد أن أصبح سيد قصر الإيليزي.

كان الدليمي موجودا في ضيعته الشاسعة في مشرع بلقصيري غرب البلاد، التي دأب على التوجه إليها لأخذ قسط من الراحة والابتعاد عن أجواء العمل. فقد كان يجمع بين جهاز الاستخبارات الخارجية وقيادة المنطقة الجنوبية، إضافة إلى كونه من كبار الضباط المرافقين للملك. وشاءت ظروف أن يكون ذهابه هذه المرة إلى تلك الضيعة، التي كان يحرص شخصيا أشجارها والاهتمام بأغراسها واستقبال كبار ضيوفه بين جنباتها، مثل الوداع الأخير، فقد كان في سنواته الأخيرة يهرب إلى بادية الصحراء، ويتمدد داخل خيمة تضاء بنور القمر، وإن لم يفعل ذلك، لا بد أن يرتمي بين أحضان أشجار ضيعته التي افتتن بها.

حكاية الضيعة

تعود به الذكريات إلى مشرع بلقصيري، حين قرر يوما اقتناء ضيعة فلاحية، لولا أن تداعيات قضية اختطاف واغتيال الزعيم التاريخي للاتحاد الوطني المهدي بنبركة ألقت بظلالها على مسار حياته الشخصية والمهنية والسياسية. وحكى أحد زواره حين كان يقيم بسجن فرنسي قبل حلول موعد محاكمته في يونيو 1967، أنه لم يأسف لشيء أكثر من أسفه لعدم تنفيذ حلمه بإكمال إجراءات اقتناء الضيعة من معمر فرنسي.

رجل في مثل غلظة الدليمي لم يكن واردا لديه أن يأسف لرحيل معارض في حجم المهدي بنبركة، ولكنه، وهو في طريقه لمواجهة المحكمة، تذكر ضيعته، ولم يتذكر ما علق برحلته لإلى باريس التي قدم إليها في الثلاثين من أكتوبر 1965، على متن رحلة من الجزائر، ثلاث ساعات قبل وصول الجنرال محمد أوفقير، وزير الداخلية، وقتذاك، إلى عاصمة النور، بهدف إطفاء شعلتها.

حكى مقربون إليه أنه كان يقيس الأشياء والمواقف بمعيار الحسم. لم يكن يتردد في الإقدام على أي مغامرة، إذ يعتبر أنها الطريق الأول والأخير، لكن أحدا لم يكن يعرف ماذا كان يخالجه وهو في الطريق من مشرع بلقصيري إلى مراكش. لقد تعود أن يقطع هذه المسافة مع نهاية أسبوع أو بداية آخر، فقد تعود أن ينطلق من هناك في اتجاه أي مدينة يقيم بها الملك الحسن الثاني، لكنه هذه المرة ستكون رحلته مختلفة.


من قتل الجنرال الدليمي؟
الفرق الخاصة

قبل بضعة أيام، كان يتابع شخصيا ملفات مفاوضات سرية دارت في باريس بين مسؤولين مغاربة وجزائريين، كان محورها لا يحيد عن تطورات قضية الصحراء، وفي غضون ذلك، كان قد أفلح في معارك قارية شبيهة بحرب العصابات توخت اقتلاع محاربي جبهة البوليساريو من مخابئ في تضاريس وعرة كانوا يلوذون إليها. فقد أحدث الرجل فرقا خاصة توزعت أسماؤها بين المعارك التاريخية، ذات إيحاءات بالنصر: الزلاقة وأحد وبدر وحطين. وشهد له خصومه بأنه اختار الطريق الأنجع في الحد من الهجمات اعدوانية التي كانت تتعرض لها البلاد، بما في ذلك الأقاليم الخارجة عن مربع النزاع شمال الصحراء. وبالقدر الذي كان الجنرال الدليمي مزهوا بانتصاراته، بالقدر الذي قد يكون جلب على نفسه المتاعب. فقد كان مندفعا ولم يكن رجل سياسة، وكان يستطيع أن يتصور أن بإمكانه أن تلحق يداه الطويلتان كل ما يتصور أنه في متناوله أو بعيد عنه. وقد كان يعتبر أن نجاته من موت محقق مرتين على الأقل، في العاشر من يوليوز 1971 داخل فناء القصر الملكي في الصخيرات، وفي السادس عشر من غشت 1972، وهو على متن الطائرة الملكية، التي تعرضت لغارات انقلابية، نوعا من الميلاد الجديد.

ساعده في تكوين فكرة عن قدراته اللامتناهية أنه تخلص من غريمه وشريكه الجنرال محمد أوفقير، الذي كان بمثابة ظله في مطلع ستينات القرن الماضي، وتحديدا حين عمل إلى حانبه مديرا عاما للأمن الوطني بالنيابة إلى حدود أكتوبر 1966، يوم سلم نفسه طوعا لإلى القضاء الفرنسي إثر متابعته في قضية بن بركة.

في غياب دلائل قوية حو الطريقة التي أزيح بها الجنرال أوفقير عن مسرح الحياة، ليلة الموعد الذي دبر فيه محاولته الفاشلة، تبقى هناك حقيقة قائمة تفيد بأنه حين دلف إلى قصر الصخيرات بهدف مقابلة الملك الحسن الثاني وعرض وقائع ما حدث أمامه، لم يكون يوجد بالقصر إلا العقيد أحمد الدليمي، كما أن الملك الحسن الثاني لدى نزوله من الطائرة ردد سؤالا وحيدا: أين الجنرال أوفقير؟ من جهة، لأنه كان وزير دفاع، ومن جهة ثانية لأنه لم يكن مستساغا أن تتحرك الطائرات المغيرة من القاعدة العسكرية في القنيطرة دون علمه أو صدور أوامر منه.

زيغ شاحنة

ولأن العقيد كويرة، المتورط في قيادة إحدى الطائرات المهاجمة، كان قد سبق الجنرال أوفقير في الاستفادة من المعطيات التي يتوفر عليها بعد اعتقاله، على إثر سقوط طائرته في منطقة مولاي بوسلهام، لم يكن هناك من حيز أمام أوفقير غير الاعتراف بحقيقة ما حديث، وليس يهم إن كانت الرواية الرسمية تحدثت عن انتحاره، فالأهم أنه لم يغادر المكان إلا جثة هامدة.

نقل في اليوم الموالي إلى بلدته عين الشعير، على متن طائرة عسكرية، ليتم بعد ذلك ببضعة أيام نقل كل أفراد عائلته إلى مجاهل إقامة إجبارية، تحت شعار الأبناء الذين يدفعون ثمن أخطاء الآباء.

سيختلف الأمر بعد مرور أكثر من عشر سنوات على تغييب أوفقير. فقد تحدثت الرواية الرسمية الوحيدة عن زيغ شاحنة حمراء اللون أردت رفيقه الجنرال أحمد الدليمي عند مداخل إقامات النخيل في مراكش.وقتها قيل إن سائق الشاحنة لاذ بالفرار وأن شخصية هامة كانت ترافق الجنرال على متن سيارته أصيبت بجراح، وسجل محضر لشرطة المرور كيف أن رجال الشرطة والمطافئ، حين جاؤوا إلى موقع الحادثة، كان الدخان لايزال يتصاعد من جانب السيارة التي اصطدمت بشجرة نحيل، بينما كانت الشاحنة الحمراء لاتزال متوقفة.

لم يكشف في الآتي من الزمن شيء أدق عن وقائع الحادثة التي يعتقد أنها سجلت ضد مجهول، بيد أن الملك الحسن الثاني سيحضر شخصيا جانبا من جنازة الدليمي في الرباط، وتحديدا في مقر جهاز الاستخبارات. وحين ووري جثمان الجنرال مقبرة الشهداء في الرباط لم ينته كل شيء. فقد روى أحد رجال الأمن أن حراسة شددت على مداخل المقبرة، وروى آخرون أن همهمات صدرت عن والده لحسن الدليمي وهو يمشي في جنازة ابنه الجنرال، وانبرت روايات متعددة تبحث عن حقيقة ما جرى في صمت غلفه المزيد من الغموض.

لم يطلق اسم الجنرال الدليمي على أي شارع أو معركة أو حدث رمزي، بل إن الألبوم الكبير لصوره سيتعرض للإتلاف، لكن دون أن تكون قد صدرت أوامر بهذا المعنى، فقد سادت أجواء أقرب إلى التشكيك في مسار الرجل الذي يعتقد كثيرون أنه فقد توازنه، أو انساق وراء حسابات خاطئة في أقل تقدير بيد أنه لا توجد رواية مطابقة واحدة حول حقيقة ما جرى، وربما أن تعرض الرجال، الذين كانوا محسوبين عليه، إلى نوع من التهميش يفسر مناطق الظل في قضية أشد غموضا.


من قتل الجنرال الدليمي؟
الموت الغامض

منذ عام 1965 سيرتبط ثلاثة رجال بقضية واحدة المهدي بنبركة ومحمد أوفقير وأحمد الدليمي كانوا هم أنفسهم، إلى جانب شركاء آخرين، تدرج أسماؤهم في خانة واحدة، مع فارق في المواقع بين الضحايا والمتورطين. ومع أن مسارهم يختلف كليا. فإنه يكاد يلتقي في طابع النهاية الغامضة لشريط أحداث يعرف متى وكيف بدأ، ولا يعرف كيف انتهى، مع الإقرار بأنه كانت له نهاية فعلا.

في مثل الغموض الذي لف ظروف اختطاف واغتيال المهدي بن بركة في باريس يوم التاسع والعشرين من أكتوبر 1965، سينسج الواقع مصيرا آخر لا يقل غموضا كان من نصيب الجنرال أوفقير في السادس عشر من غشت 1972، وبعد حوالي عشر سنوات في يناير 1983، ستتناسل أسئلة حرجة حول مصير الجنرال أحمد الدليمي. فثمة عقل يميل إلى طرح هذا النوع من الأسئلة، قد لا يكون بالضرورة يصادف مكامن الحقيقة، لكن مجرد طرح الأسئلة يعني أن شيئا ما لم يكن على ما يرام.

فر الضابط الطويجي من بين أنياب الاستنطاق، وتردد أنه اضطر إلى عبور مضيق جبل طارق سباحة.

كان ذلك لا يعني أن آلة ما تحركت في ملف تحريات صامتة حول علاقات الجنرال الدليمي باسما، وجهات وعوالم. فقد كان ينظر إلى الطويجي أنه بمثابة علبة أسرار الحنرال، بل إنه كلفه بالكثير من المهمات التي ارتدت طابعا سريا، في إطار صراعات الجنرال مع جهات متعددة، داخل الجيش وخارجه.

ويوم أبعد رجال كانوا محسوبين عليه في الجهاز الاستخباراتي والجيش، كانت دلالات ذلك تفيد بأن نهاية الجنرال فتحت أبواب جهنم أمام أقرب الناس إليه. ممن كانوا بدينون له بالولاء دون غيره. لكن المفارقة أن أفراد عائلته الأقربين لم يتعرضوا لشيء من قبيل ما عانت منه أسرة رفيقه الجنرال أوفقير في مقابل هذه الصورة، جرت تطورات لافتة، ليس أبعدها أن الرئيس فرانسوا ميتران زار المغرب رسميا، ولم يضطر، لدوافع بروتوكولية، أن يصافح الجنرال الدليمي، لأن الموت كان قد غيبه، غير أ الفرنسيين على صعيد الأجهزة والدولة لم تعد لهم أي حساسيات مع الجنرال الدليمي، منذ أر برأته محكمة الجنايات الفرنسية من دم المهدي بن بركة، وإن كان لافتا أنه بعد رحيل الدليمي ببضعة أشهر لقي الغالي الماحي، الذي حوكم إلى جانبه في نفس القضية، مصرعه، على إثر حادثة سير على الطريق بين الرباط والمهدية، أي نفس طريق الموت التي أقبر فيه رجل الاستخبارات القوي العلوي المدغري إبان حياة الدليمي.

مسافات الخلاف

في العام نفسه، ستعرف العلاقات المغربية. الليبية انفراجا كبيرا تجلى في إبرام معاهدة وجدة التي أطلق عليها اسم الاتحاد العربي الإفريقي بين المغرب والجماهيرية الليبية.

في وقت لم يكن فيه أحد يتصور إمكان حدوث ذلك التقارب، الذي ألغى كل مسافات الخلاف بين البلدين الذين اختلفا طويلا، إلى درجة أن محاولات إسقاط نظام أي منها شكل محور مخططات هذا الطرف أو ذاك.

أبعد من ذلك، فالعلاقات بين المغرب والجزائر عرفت بدورها انفراجا ملحوظان وفيما كانت على عهد الجنرال الدليمي تدور أشواط الكثير من المفاوضات السرية التي شارك فيها إلى جانب شخصيات متنفذة، أضحت بعد رحيله المفاوضات تدور علنا، وإن كانت محاورها لم تغادر أسرار الأمانات.

قد لا يكون لهذه التطورات علاقة برحيل الجنرال، وقد تكون جزءا من أحداث ملأت فراغا كان يرغب في الإبقاء عليه، بالنظر إلى أنه لم يكن عسكريا نافذا فقط ولكن كان رجل استخبارات، أي أن دوره على الصعيد الخارجي كان يطال البحث عن المعلومات التي تقود إلى اتخاذ القرارات السياسية، مع أن الراجح أن دور الاستخبارات لا يقتصر على هذه الجوانب الاستعلاماتية، وإنما يتجاوزها نحو التوغل في عالم صانعي القرار، وبهذا المعنى، فإن غياب الدليمي أفسح المجال واسعا أمام زخم جديد في علاقات إقليمية انطبعت بالحذر والتردد.

لا يعرف تحديدا المدى الذي وصلته علاقات الجنرال مع دول وجهات كانت أكثر اهتماما برصد ما يحدث داخل البلاد، وعلى افتراض أن ذلك الرصد كان قائما مع أن وجوه العسكري كان باديا، فقد كان منفذا لسياسة يتم إقرارها على مستويات أعلى، إلا أن المنفذين في كل درجات المسؤولية من أدناها إلى أقصاها، يتركون بصماتهم على طرائق إخراج القرارات وتنفيذها.

لم يكن الدليمي من الرجال الذين يخفون رؤوسهم في الرمال. كان عنيدا إلى حد الجهر بآرائه، وحين كان يركب رأسه يصبح غير مبال بمن حوله، يكفيه أن يكون مقتنعا بما قدم عليه، ولو كان من قبيل أعلى درجات المغامرة. لذلك فقد غاب وهو يحمل معه أسراره. باستثناء ما كان ينفلت منه من انفعالات في لحظات الغضب. والظاهر أنه حين استتبت لديه سلطة أكبر مما كان يحلم به، دخل في حروب ومواجهات على مستويات عدة، وظل على قناعة بأنه سينتصر لتلك القناعات، كما فعل سابقا.

بين ثنايا وقائع دالة، سيكون لافتا أن نجم الدليمي صعد، على خلفية غياب الجنرال أوفقير، وأن الوزير المتنفذ على عهد الملك الحسن الثاني، الذي استطاع أن يملأ الفراغ الذي خلفه رحيل الدليمي، لم يكن سوى إدريس البصري، الذي سبق له أن عمل مدير ديوان الدليمي في الإدارة العامة للأمن الوطني، وبين هؤلاء الرجال حافظ جنرال آخر على مواقعه إلى النهاية، كان اسمه مولاي حفيظ العلوي، الذي لم يكن بعيدا عن كل الأحداث التي عرفتها البلاد خلال هذه المرحلة ثلاثة عسكريين ومدني كيفوا تاريخ البلاد منذ ستينات القرن الماضي، مع تفاوت في الأدوار، بعضهم حضر نهاية البعض، وبعضهم عاش تناقضات المرحلة وصراعاتها بكل التفاصيل. غير أن الموت الذي كان يحصد هذه الأرواح ظل مأساويا في صورة تراجيديات أقرب إلى شخوص وليام شكسبير. ويبدو أن هذه التراجيديات تصح للاعتقاد بأن جانبا كبيرا من التاريخ كتب على جثامين القبور. من عرف منها ووضع على ترابه شاهد، ومن أتلف بفعل عوامل تعرية الطبيعة، ومن لم يعثر على قبره إطلاقا إذا تركنا الرواية الرسمية لمقتل الجنرال الدليمي، سنعثر على سيناريوهات متعددة، قد يكون بعضها من نسج الخيال، وقد يكون أقرب إلى المتخيل الذي لا يصدق أن رجلا في حجم الدليمي يمكن أن تدوسه شاحنة زائغة. غبر أن الرجل الذي دخل تاريخ حروب الصحراء من بابها الواسع، لم يكن له أن تكون له عيوب ومؤاخذات للآخرين عليه.

في أقل من أربع وعشرين ساعة، كان جنرال آخر يخطو في اتجاه مقر الاستخبارات الخارجية، لم يكن سوى مدير الأمن الوطني، وقتذاك الجنرال عبد الحق القادري، الذي بدا مختلفا عن سلفه في كل شيء، هادئا إلى الحد الذي يخاله المرء يقف دائما في محراب التأمل، وصامتا إلى درجة أنه يعرف أشياء كثيرة فثمة رجال يتركون مواقعهم من دون ضحية، وثمة آخرون تحوم حولهم الشبهات، والأقوى من “يخرج من دار العيب بلا عيب”، كما يقول المثل المغربي.


ازدواجية المواقف

كان الجنرال الدليمي قليل الكلام، كثير الأفعال، غير أنه أدلى في عام 1966 بتصريح إلى جريدة “الحياة” اللبنانية حول قضية اختطاف المهدي بن بركة، مما جاء فيه أنه توجه إلى باريس بهدف “تخليص بن بركة من قبضة أشرار اختطفوه وطالبوا بفدية مالية مقابل الإفراج عنه”.

لم يحدد أسماء أولائك الأشرار، فيما فهم كلامه أنه موجه ضد أشخاص فرنسيين من ذوي السوابق، تورطوا في عملية اختطاف المعارض المغربي. وربما كان بصدد تبرير حيازة الغالي الماحي حقيبة مليئة بالأموال بالعملة الفرنسية. لكنه بعد ذلك بسنوات، سيتحدث إلى إذاعة فرنسا الدولية، وسيكون تصريحه لافتا، إذ وصف المهدي بن بركة بأنه شخصية وطنية تحظى بالاحترام والتقدير، وأثنى في غضون ذلك على دوره البارز في الدفاع عن القضايا الوطنية.

في مقابل هذا الكلام، الذي كان يختاره الدليمي بعناية، سينقل عنه القول أمام أجانب أن المهدي بن بركة كان متابعا قضائيا بالحكم بالإعدام، وسيقول إن بعض الأشخاص الذين تورطوا في الملف نالوا ما كانوا يستحقونه، لكن دون أن يفصح أكثر عن أسمائهم وعن ظروف غيابهم والملابسات التي أحيطت به، سواء في فرنسا أو في المغرب. ازدواجية المواقف هذه ستجد امتداداتها في تحركات الجنرال، فقد اهتم، منذ انتزاع براءته من محكمة الجنايات الفرنسية، بأن ينظم لقاءات مع كبار المسؤولين الفرنسيين في مقر أجهزة الاستخبارات. وكان يسعى من وراء ذلك إلى تبديد الشكوك حول دوره المحتمل. لكنه ظل يفاخر بأن بإمكانه أن يجول في عواصم العالم، على عكس غريمه الجنرال محمد أوفقير، الذي حظر عليه زيارة فرنسا منذ نونبر 1965، يوم شارك في حفل تخرج أعوان سلطة مغاربة تلقوا تداريب هناك، مباشرة بعد أقل من أسبوع على اندلاع قضية بن بركة.

الجنرال الصحراوي عاشق السهر

اكتسب الجنرال أحمد الدليمي كثيرا من طباع “أولاد دليم”. تلك القبيلة الصحراوية الدم العربية الأصل، والمتربعة على عرش القبائل الصحراوية المسماة “المحاربة”.

من الصحراء أخذ هدوءه وتكتمه الشديد، إذ يجمع مقربوه على أنه كان أكثر الجنرالات كياسة وصمتا. كما أنه ورث من أهل الصحراء التزامه وولاءهم. بينما تكلفت الدماء العربية التي جرت في عروقه برسم بقية معالم صورة هذا الجنرال الذي كان يهوى السمر. كل من عرف الدليمي يؤكد أنه كان أكثر جنرالات الحسن لثاني تعلقا بالليل، إذ كان يسهر بشكل يومي تقريبا.

هذه هي اللحظات الوحيدة التي كان ينسى خلالها الدليمي أنه جنرال مهاب، ينظر إليه على أنه الذي تكلف بإعدام سلفه الجنرال محمد أوفقير. لم يكن شيء من هذه الذكريات الدموية يتبادر إلى ذهنه في لحظات انتشائه، حتى ولو اتصل به مسؤولون كبار، فإنه كان الوحيد الذي يرفض الإجابة وقطع حبل متعته الذي يستمر، طويلا، حتى مطلع الفجر.

زهو عربي وكرم صحراوي، خاصيتان لازمتا هذا الجنرال طيلة اللحظات القليلة التي قضاها مع أسرته في فيلا فخمة بالعاصمة الرباط، وعائلته الكبرى بقبيلة “أولاد دليم”، إذ يحكي مقربوه أنه ظل يغدق ماله على أفراد أسرته وعائلته، وهو ما دفع الحسن الثاني إلى إيلاء عناية خاصة بأرملته وأفراد أسرته، كما أنه لم يحجز على أملاكه رغم الاشتباه في تورطه في مخطط للانقلاب عليه.


من قتل الجنرال الدليمي؟
جولة “غولف” بين الحسن الثاني و”ميتران” تختم قصة حياة الدليمي

الزيارات المتبادلة بين المغرب وفرنسا كانت حاضرة في حياة الجنرال الدليمي حيا وميتا. في الوقت الذي كان هذا الجنرال الدليمي حيا وميتا. في الوقت الذي كان هذا الجنرال الحديدي ظلا للملك الراحل الحسن الثاني في جميع زياراته إلى باريس.

آخر زيارة فرنسية رسمية إلى المغرب حضرها الدليمي طبعا، لكن في اليوم الأخير له من حياته المثيرة. كان ذلك في يناير 1983، عندما حل الرئيس الفرنسي “فرانسوا ميتران” ضيفا على الحسن الثاني. وعقبها جاء خبر مقتل الجنرال القوي إثر حادثة سير عند مشارف مراكش.
زيارة “ميتران” هذه، كانت غريبة للغاية.

لم تكن علاقة الرئيس الفرنسي الذي دخل “الإيليزيه” سنة 1981، بالجيدة حتى تصل إلى الصداقة الحميمية. مع ذلك طلب “ميتران” من الراحل الحسن الثاني أن يلعبا “الغولف”. هذا الأمر أثار استغراب الحاصرين، ليس فقط لأنه لم تكن تجمع الحسن الثاني صداقة كبيرة ب”ميتران” الذي كان يبلغ من العمر عندها 67 سنة، لم يعهد عليه ممارسته رياضة قط.

في ما بعد، سيتبين أن اقتراح “ميتران” كان لرغبته في الاختلاء به في ملعب “غولف” فسيح، بعيدا عن وسائل التصنت وأعين وآذان المتجسسين.
الهدف وراء كل هذه الإجراءات كان خبرا نزل كالصاعقة على الحسن الثاني، عندما أخبره “ميتران” بأنه توصل بمعلومات حصلت عليها أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وأنه يجب أن يستعد لأمر جلل يمكن أن يسفر عن قلب النظام والإطاحة به.

بينما كانت كرات “الغولف” التي يتقاذفها الحسن الثاني و”فرانسوا ميتران” تتجه صوب الحفر الصغيرة، كان الجنرال الدليمي يتجه بسيارته إلى حتفه، بعدما دهسته شاحنة عند أعتاب مراكش، كما تشير إلى ذلك الرواية الرسمية.

بعد جولة “الغولف، سيمتطي الحسن الثاني سيارته ويتوجه نحو فيلا الجنرال المقتول، ليلا، ليقدم العزاء إلى عائلته. ولم تمض أيام حتى تم اعتقال 15 ضابطا، أعدم ثلاثة منهم.

عن مجلة أوال


من قتل الجنرال الدليمي؟


من قتل الجنرال الدليمي؟

جيمس بوند فرنسا يروي 28 سنة في خدمة الحسن الثاني

جيمس بوند فرنسا يروي 28 سنة في خدمة الحسن الثاني
أن يكتب رايمون ساسيا مذكراته فهذا يعني انتظار سماء تهطل بالأسرار وحينما يضمن كتابه جزءا خاصا بالمغرب “في خدمة صاحب الجلالة فإن الانتظار يصبح مشوبا بالخوف والرهبة، ولكن رايمون ساسيا ذا التاريخ الخارق ظل وفيا لجزء من مهنته الأصلية وهو كتمان الأسرار

ثمان وعشرون سنة في خدمة الملك الراحل الحسن الثاني، خصص لها أربعين صفحة بالكاد بمعدل صفحة وربع الصفحة للسنة هذا المقاوم العسكري البوليسي الاستخباراتي السريع والمحنك في الرماية والخبير في تنظيم حراسة الرؤساء والملوك، وصل إلى الدار البيضاء في 11 يوليوز 1971 بعيد المحاولة الفاشلة لانقلاب الصخيرات وغادر الرباط في 23 يوليوز 1999 بعد انتهاء مراسيم جنازة الحسن الثاني، وبذلك يكون قد عاش الجزء الأكبر من تاريخ المملكة المشعل وهو في قلب النظام، لقد كان فاعلا أمنيا وشاهدا على عصره وحتى إن كانت ضرورة التحفظ تفرض عليه كتمان أسرار الدولة، فإنه أعطى في الصفحات الأربعين من كتابه التي نقترحها عليكم كاملة في هذا الغلاف زبدة نادرة من الوقائع غير المعروفة والطبائع غير المألوفة والذكريات التي تختلط فيها الدماء بالدموع تارة وبعض من أفراج الملك التي لا شبيه لها. بدأ ساسيا مشوار حياته طفلا فقيرا بباريس يقطن ووالدته في بيت ضيق جدا أسفل عمارة كانت أمه تحرسها انخرط في المقاومة وأصيب في معركة تحرير فرنسا من النازية وهو ابن السادسة عشرة، ولم يكن قد تجاوز العشرين سنة بقليل حتى ذاع صيته كأحد أمهر مستعملي السلاح وأحد أسرع الرماة وبعد عودته من عمله في الجيش الفرنسي بألمانيا سيؤسس ناديا للجيدو سيستقطب نخبة فرنسا آنذاك السياسية والفنية، إلا أنه وسط هذا النادي سيكون له عمل آخر هو الاستخبارات “بموازاة عملي كمدير لناد رياضي كنت أتابع تكوين أفواج إدارة الوثائق والمستندات الخارجية في مصلحة العمليات… كنت أكون فرق “جيمس بوند” الفرنسية… كنت مكلفا بالتدريب على القتال والتصويب بالأسلحة النارية. وهما شعبتان أساسيتان لكل فرقة عمليات بالمخابرات”، يقول ساسيا في كتابه. ولكن التحول الكبير في حياة ساسيا الذي كان ذا حساسية دوغولية سياسيا، هو عندما سيحظى بمنصب الحارس الشخصي للجينرال دوغول، رئيس الجمهورية الخامسة الفرنسية. بعد عشر سنوات في خدمة الجينرال، سيقود القدر رايمون ساسيا إلى المغرب وهي الحكاية التي نرويها على لسانه من خلال كتابه :”LE MOUSQUETAIRE DU GENERAL ” في الصفحات الموالية


جيمس بوند فرنسا يروي 28 سنة في خدمة الحسن الثاني
إنجاز: أحمد قنديل

الوصول إلى المغرب

الملك يدخن في قبو الحراس الشخصيين

وجبن الأمن الملكي في الصخيرات

بعد وفاة الجينرال دغول أنا ورفاقي نعلم أن الأمور لن تكون أبدا كما كانت من قبل كنت عميدا مركزيا ومكلفا بمهمة لدى وزير الداخلية السيد مارسولان من أجل تهييء وتطوير والإشراف على مراكز الحماية وتدريب الشرطة. وفي هذه المرحلة انتشر في أوساط موظفي الشرطة ما كان يسمى طريقة “ساسي” في الرماية السريعة. لم أنتظر كثيرا لتقودني الأقدار نحو مغامرات جديدة، وقتها اختار الرئيس جورج بومبيدو صديقي جاك شابان ديلماس كوزير أول كان يناديني دائما “ابني”.

ويوم 11 يوليوز 1971 تلقيت مكالمة هاتفية من وزير الداخلية يخبرني فيها أن الوزير الأول يطلبني على الفور، توجهت إلى ماتينيون وعلى الفور استقبلني الوزير الأول، كنت متوجسا من سماع خبر سيء أو مؤاخذة على خطأ مهني… بادرني قائلا:
-” ابني هل أمورك على ما يرام؟”
- “جيدة السيد الوزير الأول”.
-لا تعليق؟
- لا، السيد الوزير الأول..
- إذن نحن متفقون جهز حقيبتك، هناك طائرة في انتظارك ستقلع على الساعة الثامنة في اتجاه المغرب.
- إلى المغرب؟ ولكن ما هي مهمتي في المغرب؟
-ألا تعلم؟ وزير الداخلية لم يخبرك بشيء؟ ألا تسمع الإذاعة؟ ألا تقرأ الجرائد؟
لا علم لي بشيء يتعلق بالمغرب، السيد الوزير الأول.

لقد وقعت البارحة محاولة انقلاب عسكري بالصخيرات قرب الرباط خلال حفل بمناسبة عيد ميلاده، وقعت مجزرة سقط فيها أزيد من 100 قتيل، منهم مغاربة ودبلوماسيون ، الملك نجا وهو يطلب في إطار التعاون بين بلدينا أن تبعث له فرنسا خبيرا في الشؤون الأمنية… اخترتك وسيستقبلك هذا المساء ممثل الملك،لا مجال لأن ترفض.

- أنا لا أرفض، السيد الوزير الأول، ولكنني لا أعرف شيئا عن المغرب.
- ستعرف في عين المكان ستنصت ستلاحظ محيط الملك، ستلتقي الملك وترى ما سيطلب منك وستخبرني. لا تنس أن المغرب ملكية وحليف وأن الحسن الثاني صديق وثيق لفرنسا.
وبخدمتك للملك فإنك تخدم فرنسا في المغرب، هيا، ستنقلك سيارة إلى مطار فيلا كوبلاي خلال ساعتين.

نزلت بالدار البيضاء لكن سلطات المطار منعتني من النزول وطلبت مني المكوث في الطائرة انتظرت ساعتين. قائد الطائرة كان قلقا كذلك، لأننا لم نكن نعرف شيئا عن مخلفات محاولة الانقلاب العسكري التي وقعت. هل وقعت تطورات في الوضع بين لقائي مع شابان ديلماس ونزولي بمطار الدار البيضاء؟

هل مازال الملك في السلطة؟ وحوالي منتصف الليل، جاء الكولونيل أحمد الدليمي مدير أمن الملك للقائي قال إنني سأقابل الملك ولكن نظرا للظروف الراهنة لابد من الاحتياط والتحرك بسرية، “ستنزل في أحد الفنادق وسيستقبلك الجينرال أوفقير وزير الداخلية، ليشرح لك الوضعية في اقرب فرصة”.

أقمت في فندق المنصور استقبلت جيدا ولكن لم يكن مسموحا لي بمغادرة الفندق، ولم أكن أريد الاتصال بباريس مخافة أن يكون هاتفي تحت المراقبة، نمت وقضيت اليوم الموالي متجولا في الحديقة مراقبا من طرف حارسين كانا يراقبان كل تحركاتي كنت أتساءل عن أي مطب وقعت فيه. مر يوم آخر دون وقوع أي شيء، كنت عازما على الاتصال بشابات ديلماس صباح اليوم الموالي لأشرح له الوضعية الغريبة التي كنت أوجد فيها. ولكن في الساعة الحادية عشرة ليلا تلقيت اتصالا هاتفيا:

-رايمون ساسيا؟
- نعم
- أنا الجينرال أوفقير كيف حالك، ألا تتذكرني؟
- نعم ، بطبيعة الحال جينرال…
يجب دائما الرد بنعم في مثل هذه الحالات حتى وإن لم تكن تعرف ما يعنيه محاورك.
لقد التقينا في الإليزية خلال زيارة الملك للجينرال دوغول كنت ضمن الوفد المغربي.

بالفعل تذكرت أننا كمظليين سابقين تعاطفنا بسرعة وتحدثنا في ما بيننا، أوفقير كان عريفا بالجيش الفرنسي، أحد الأبطال على رأس الجنود المغاربة خلال معركة مونت كاسينو بإيطاليا وكان لنا صديق مشترك هو الجينرال جانو لاكاز.

_ جلالة الملك سيستقبلك كن على استعداد.
_ ولكننا في منتصف الليل
_ نعم الملك يشتغل أيضا بالليل.

في الساعة الثانية صباحا، أخذتني سيارة من الفندق إلى قصر الرباط الذي وصلناه بعد ساعة. كان الملك قد أنهى على التو مجلسا استثنائيا للوزراء، ولكنه استقبلني على الفور.

أبلغته تحيات صديقه جاك شابان ديلماس، وقال لي إنه سعيد لرؤيتي كنت بصيغة ما أعبر له عن الدعم الملموس لفرنسا في هذه المحنة.

قال لي :”هل تتذكر السيد العميد المركزي أننا تناقشنا في أحد المكاتب بالإليزية؟”.

وبالفعل خلال زيارة الملك في يونيو 1963، قدم الجينرال دوغول للملك 400 من المدعوين واحدا واحدا. وفي نهاية هذه المهمة المتعبة طلب الملك النجدة من رئيس البروتوكول الذي أشار إلي قائلا :”صاحب الملك إلى حيث يريد”، سرت أمام الحسن الثاني إلى الحمام وعند وصولنا انفجر ضاحكا:”لا، أنا لا حاجة لي بالحمام علي أن أخبرك بأنني مدخن كبير، ولم أكن أريد التدخين في حضرة الجينرال أبحث فقط عن مكان لتدخين سيجارة “.

_ جلالة الملك لا أدري أين يمكن أن نختبئ هناك مكتب متواضع للحراس…
_ جيد أرني مخبأكم…
وذهبنا إلى مكتبنا الصغير كان الملك مرتاحا وسعيدا بهذه الاستراحة وبدأ يدخن ورجلاه فوق الطاولة وسألني عن تكويني وعن المقاومة وعن المظليين في الفرقة 11 وعن حماية الجينرال…

” آه، أنت هو الرجل الذي قام بتدريب في مكتب التحقيقات الفيدرالي (الشرطة الأمريكية)، صديقي شابان ديلماس تحدث لي عنك، وشاهدت روبورتاجا عنك في مجلة “باري ماتش” ألا تريد المجيء إلى المغرب لقضاء بضعة أيام؟ ستكون ضيفي”.

_أنا ممتن لكم جلالة الملك، ولكن تعلمون أن خدمة الجينرال تشغل كل وقتي,

_ لا يهم اعلم أنك ضيف المملكة دائما.
كان الملك يملك ذاكرة قوية، ومباشرة بعد المحاولة الانقلابية اتصل شابان ديلماس وهو يتذكر لقاءنا وطلبني لأكون على جانبه في عز الليل، حيث كانت تروج إشاعات عن حملات تطهير بعد المحاولة الانقلابية كانت ضرورية بعد الأداء السيء لمصالح الأمن. وعندما بدأ العسكريون يطلقون النار على المدعوين مخلفين مجزرة فظيعة، لم يفكر أي من الحراس في حماية الملك، اضطر للهرب إلى الشاطئ والاختباء وحيدا في كابينة حمام. ووسط الهلع كان الكل يحاول الإفلات بجلده. الحراس هربوا وفي اليوم الموالي عثر على أسلحة ضباط الأمن مخبأة في المزهريات والحمامات. الحراس كانوا يخشون أن يعثر عليهم الانقلابيون وبخوزتهم الأسلحة في حالة إذا نجح الانقلاب.

في ظل هذه الظروف طلب مني الملك إعادة تنظيم جذري لمصالح أمنه، كانت لي كل الصلاحيات في هذه المهمة بالتعاون مع الجينرال أوفقير الذي عين وزيرا للدفاع الوطني كان الأمر يتعلق بتنظيم مصالح الأمن بوزارة الداخلية.


جيمس بوند فرنسا يروي 28 سنة في خدمة الحسن الثاني
العلاقة مع أفقير

حينما اكتشفنا جهاز تنصت في هاتف الملك

كانت علاقاتي جيدة مع أفقير حتى الانقلاب الموالي، يجب القول بأنني كنت مستشار الملك الخاص. وبهذا المعنى كل أفراد القصر يحترمونني مبدئيا أوفقير كان يعترف بكفاءتي وكان يحترمني لأنني كنت مظليا سابقا، كما أنني حصلت على توجيهات قيمة من السفير الفرنسي كلود لابيل، نصحني بعدم الظهور في الواجهة وإعطاء المغاربة دائما الإحساس بأنني هنا كقوة دعم، وإلا أتدخل بأي حال من الأحوال في شؤون القصر أو آخذ مكان أي أحد وكذلك عدم تصفية حسابات الملك مكانه. وفي ما بعد ساعدني أيضا خلفه جان برنار ريموند، وهو أيضا عارف جيد بالواقع المغربي لتعويض نقصي الفظيع في معرفة دواليب الحياة في المملكة، وفي هذه الظروف كان محيط الملك يقدر التزامي حدود موقعي، والضباط الكبار كانوا يحترمونني لاسيما وأن العديد منهم كانت لهم صداقات وسط انقلابي الصخيرات وأن بعض من أفلتوا من عمليات التطهير التي شهدها الجيش عقب الانقلاب كان عليهم أن يعملوا بأي ثمن على محو صداقتهم بالانقلابيين.

أوفقير أقام حفلة في بيته بحي السويسي على شرفي بعد أربعة أيام على وصولي إلى المغرب. كما في صالون فسيح حيث جلس حوالي 40 من الضباط والوزراء، قدمني لهم، لم أكن أعرف أحدا وكانت مواضيع الحديث محدودة وكان من غير اللائق الحديث عن المجزرة الحديثة والأداء البئيس لأمن الملك وكان من السابق لأوانه الحديث عن دوري ، البعض كان يتحدث والبعض يلعب الورق.. رأيت من بين المدعوين رجلا بربريا مسنا جالسا لوحده كان يلبس الأبيض، ملامح وجهه مرسومة جافة مثل رجل من الصحراء سألت أوفقير من يكون “إنه جندي مغربي سابق برز بشجاعته خلال الحملة الإيطالية، اذهب للحديث إليه، إنه بطل وحكيم. “اقتربت منه، قدمت له نفسي :”يا ابني” أعرف من أنت أنا سعيد لأنك حظيت بعطف الملك، انت محظوظ”، اقترب مني كما لو أنه يريد أـن يبوح لي بسر، همس في أذني وقال :”هل تسمح لي أن أقدم لك نصيحة؟ الملك هو الشمس، لا تقترب كثيرا من الشمس وإلا يتحترق ولكن ابق تحت خيوطها، وهكذا ستحس دائما بالدفء…” احتفظت بهذه النصيحة مثل حجاب يمكن أن تكون قريبا من رجل قوي ولكن عليك دائما تفادي التعرض كثيرا للأضواء وأضاف الرجل المسن قائلا :” احذر يا ابني هنا أظهر نفسك مثل أسد ولا تظهر نفسك أبدا مثل حمل…”.

في ما يتعلق بأوفقير ، وحتى أكون صريحا، فوراء التكامل الظاهري، كان يراقبني وكنت أراقبه، كانت لدي شكوك حول وفائه وفاتحت الملك في هذا الأمر، في يونيو 1972 استقبل المغرب بالرباط حوالي 20 رئيس دولة إفريقيا بمناسبة قمة لمنظمة الوحدة الإفريقية كان الضيوف يقيمون في فندق هيلتون وطلب الملك أن يهيأ له مكتب للتباحث على انفراد مع ضيوفه، وكالعادة تحققت من توفر شروط الأمن. وبما أن الأمر يتعلق بقمة دولية، طلبت مساعدة من المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية، أخبرني أحد المختصين منزعجا وقال :”السيد الوالي، لقد وجدنا جهاز تنصت في جهاز الهاتف الموضوع على مكتب الملك… أخبرت الملك بذلك على الفور، سألني :”برأيك من يريد التجسس علي، أجبت :”جلالة الملك لا أعرف… وفي كل الأحوال هو شخص نافذ لأن الأشخاص الذين بإمكانهم دخول المكتب قليلون”.

_ الجينرال أوفقير الكولونيل الدليمي؟ أو ربما هما معا… وعموما جرت مهمتي في المغرب بشكل جيد ما بين 1971 و1976 ومنذ 1972 قبل محاولة الانقلاب الثانية، دشن أوفقير مركز تكوين الشرطة رفقة شقيق الملك الأمير مولاي عبد الله الذي كان مولعا بالرماية والذي كنت أقدم له بعض النصائح أصبحت رفيقا للأمير إلى درجة أثارت بعض الغيرة من جانب الحسن الثاني الذي قال لي ضاحكا ذات يوم :”هل أنت مستشار الأمير أم مستشار الملك؟” استخلصت الدرس على الفور…


جيمس بوند فرنسا يروي 28 سنة في خدمة الحسن الثاني
إنشاء الأمن الملكي الخاص وساسيا يختار المديوري

لم أقم فقط بإنشاء إدارة الأمن الملكي واختيار رئيسها العميد محمد المديوري نظمت أيضا وكونت مصالح أمن القصر واشرف على تنظيم إجراءات تنقلات الملك، ولكن الحسن الثاني كلفني أيضا بأمن عائلته لاسيما خلال زياراتها للخارج. وأخيرا كلفت بمهمة لدى وزير الداخلية القوي إدريس البصري. وبفضل دعم فرنسا وخاصة خبرة القائد كريستيان بروتو والملازم بول باريل من الدرك الفرنسي وبمساعدة صديقي الوفي الجينرال حسني بنسليمان قائد الدرك الملكي، أنشأنا مجموعة التدخل للدرك الملكي GIGR المغربية. وبعد تنفيذ إصلاح الأمن الملكي سنة 1976 تقدمت إلى الملك لأقول له بأن المغاربة الذين تكونوا أصبحوا قادرين على الإضطلاع بأمنه، وأنه لم يعد بحاجة لي. رد علي قائلا :” لا احد يتخلى عن الملك أطلب منك أن تبقى إلى جانبي”.

كان الحسن الثاني يقوم بنشاط ديبلوماسي مكثف مع الشرق الأوسط والدول الإفريقية كان الرؤساء الأفارقة الذين يزورون المغرب معجبين بفعالية وانضباط وبداهة مصالحه الأمنية والدرك ومجموعات التدخل. بعضهم كان سأله كيف استطاع تشكيل فرق بهذه الكفاءة، كان يرد بأن مساعدة فرنسا كانت حاسمة، كان رؤساء الدول الآخرين يحلمون بأن يكون لهم حرس بهذه الكفاءة خاصة عندما تكون سلطتهم هشة وتحت رحمة الانقلابات… سألني الملك لماذا لا تحدق فرنسا مركزا للتكوين الأمني لفائدة الشخصيات المرموقة، لكن يبدو أن الحكومة الفرنسية كانت لها اهتمامات أخرى… واستخلص الحسن الثاني بتبصره وحكمته من ذلك ما استخلصه وأنشأ هذه المدرسة في المغرب، وكلفت أكثر من 20 دولة إفريقية وعربية هذه المدرسة بمهمة تكوين مصالح أمن رؤسائها وملوكها، وهي المدرسة التي كنت أشرف عليها. وهكذا من خلال مصاحبة وتكوين الأطر الأمنية لرؤساء دول قارتين تمكن المغرب من ضمان وسيلة دبلوماسية مؤثرة ومصادر معلومات من الطراز الأول.
وقد أحس الأمريكيون بالغيرة لأنهم لم يفكروا في الأمر قبل المغاربة.

لم أكن دائم الإقامة بالمغرب، كنت أزاوج بين مهمتي بالمغرب ومهمتي في إدارة الأمن الفرنسية في بنيات التكوين والتدريب وكمدير للأمن بوزارة الداخلية بطلب من الوزير ميشيل بونيا توفسكي. كنت أعيش في باريس مع زوجتي وابنتي عند الضرورة وعند أول طلب من الملك كنت أركب الطائرة وأكون في المغرب بعد ساعتين. وفي كل الأحوال كنت أقيم أسبوعا في الشهر بالمغرب لأراقب بشكل مفاجئ مراكز التكوين وأفتش الأمن الملكي. “بطلب منه كنت أرافق الملك في كل تنقلاته داخل المغرب أو خارجه، وكنت أيضا مكلفا بحماية أفراد العائلة الملكية في أسفارهم إلى فرنسا”.

انقلاب الطائرة

عندما انهارت بعض الشخصيات وأرادت فتح باب الطائرة في الجو

في يوليوز 1972 جاء الملك مع عائلته إلى فرنسا كان يقيم في قصر بيتز “Betz” في منطقة الواز (Loise) حيث كان يحب أن يرتاح الإقامة جميلة هادئة وفسيحة كانت كتيبة من الدرك الملكي تحرس الإقامة من الداخل وأخرى من الدرك الفرنسي تحرسها من الخارج، كان مركز قيادي قرب مبنى البلدية، كنت أشرف على عمل الكتيبتين وكنت على اتصال مستمر مع الملك ووالي المنطقة. في أحد الأيام، على الساعة الثانية صباحا، استيقظت من النوم مذعورا في غفوتي سمعت زخات من الأعيرة النارية أسرعت إلى اللاسلكي اتصلت بالجينرال بنسليمان في الإقامة فأكد لي وقوع إطلاق النار على بعد حوالي كلم، وأن أفراد الدرك الملكي في حالة تأهب داخل الإقامة وفي الحديقة وعلى استعداد لإطلاق النار. اتصلت بوالي المنطقة وأخبرته بما يقع وشرحت له أن القصر ربما يتعرض لهجوم، استيقظ بسرعة وقال “يا للهول هناك مناورات للقوات لبرية في غابة سانيلس ربما خرجت إحدى الفرق عن المكان المحدد واقتربت من الإقامة دون أن تدري رغم أنني حذرت رؤساء الجيش”.

أسرعت لأخبر بنسليمان والمغاربة قبل أن يردوا ويدخلوا في معركة مع جنود مبتدئين تائهين. لقد كنا قريبين من وقوع كارثة لأنه لو كان الجنود التائهون قد اقتربوا 500 متر أخرى من القصر، لكان المغاربة قد أطلقوا عليهم النار دون شفقة، ولكم أن تتصوروا المأساة والأزمة التي ستخلق. صباح اليوم الموالي سألني الملك عما حدث في الليل فأجبت بكلمات مطمئنة وزعمت أن الرياح حملت أصداء طلقات نارية بعيدة للجيش الفرنسي الذي كان يقوم بمناورات…

عودة الملك إلى المغرب كانت مقررة يوم 14 غشت الموالي. ربما علم الحسن الثاني عن طريق المخابرات الأمريكية أو الإسرائيلية بأنه يجري التحضير لانقلاب، وبالتالي قرر في آخر لحظة تأخير رحلة البوينغ 727 التابعة للخطوط الملكية المغربية بيومين.

توجهنا في موكب إلى مطار أورلي، أعطيت تعليمات صارمة. في الطائرة الملكية يمنع على أي مرافق كان وزيرا أو رئيس أركان أن يحمل معه حقيبة أو حتى محفظة إلى داخل الطائرة. أشرفت بشكل دقيق وبمساعدة خبراء ألغام مغاربة وفرنسيين متخوفة من إمكانية وقوع أي عملية فوق التراب الفرنسي، وهو ما كان سيؤدي إلى عواقب ديبلوماسية رهيبة في كل المغرب العربي، وبالأخص على العلاقات بين المغرب وفرنسا… الأمتعة نقلت في طائرة ثانية C130 والأغراض الشخصية للملك نقلت في طائرته الخاصة ميستير 50. عندما توقفت طائرة بوينغ في مطار بورجي كان محيطها مراقبا من طرف الدرك الفرنسي، وبعض عناصر الدرك المغربي كانوا داخل الطائرة…

كان الملك جالسا في مقدمة الطائرة ووراءه مباشرة كنت أجلس أنا والأمير مولاي عبد الله والكولونيل أحمد الدليمي ومحمد المديوري، كنا حوالي 15 فردا من ضمنهم الأطباء الخاصون للملك ووزراء ومستشارون وأفراد أمن والكاتب الخاص للملك عبد الفتاح فرج.

مع وصولنا فوق سماء طنجة، سألت الأمير إن كان متفقا على أن يرافق سرب من الطائرات المقاتلة الطائرة الملكية عند عودتها إلى المغرب، وبما انه لم يكن يعلم شيئا هذا الموضوع، انحنى نحو شقيقه، رأيت علامات القلق ترسم على وجهه لم يكن أي اتفاق بهذا الشأن رأيت من نافذة الطائرة مرتين، أبرع طائرات FS تمر بجانب البوينغ، لاحظت أن هذه المقاتلات كانت مصبوغة كليا باللون الكاكي ولا تحمل لا العلم المغربي ولا رقم هويتها فكرت في بداية الأمر أن الأمر يتعلق بهجوم ليبي ل، العلاقات بين الحسن الثاني والقذافي كانت وقتها جد متوترة. وبمجرد ما طلبت من الملك ومن الركاب وضع أحزمة السلامة، حتى سمعنا انفجارا قويا، إحدى الطائرات المهاجمة أطلقت عدة عيارات من أجل تدمير المحرك الموجود في وسط الطائرة. كانوا يريدون الإيهام بفرضية انفجار أحد المحركات الذي ربما كان سيقود التحقيقات نحو فرضية الحادث التقني أو انفجار قنبلة، وبأعجوبة أخطأوا هدفهم لكن الطائرة أصيبت مع ذلك بعدة ثقوب في المؤخرة، أحد المفتشين قتل على الفور بعد إصابته بعدة عيارات في الصدر، أصبت أنا بعدة شظايا في اليد والرجلين مثل الأمير مولاي عبد الله وعبد الفتاح فرج. أطلقت صفارات الإنذار وسقطت أقنعة الأوكسجين أمسكت بيد الأمير وقلت له “أعدك سنخرج منها سالمين”. الملك أمامنا لم يتحرك، لم يصرخ، وبقي هادئا بشكل لا يصدق، أغمض عينيه وبدأ يصلي أخذ الأمير مولاي عبد الله يد أخيه وكنا نمسك ببعضنا البعض نحن الأربعة مع المديوري، داخل الطائرة وحولنا كان الهلع الريح كانت قوية، بعض الشخصيات كان مطروحة في الممر، البعض فقد صوابه وحاول فتح الباب للخروج إلى الأجواء لكن حضور بديهة القائد القباج ورزانته وهو الطيارين العسكريين، والذي تدرب في قاعدة “تسالون” ويعرف جيدا قيادة البوينغ التي كان يقودها كما يقود طائرة حربية كلها عوامل أنقذتنا بمجرد ما أصابتها الأولى، نزل بها رأسا وخلال بضع ثوان نزلت الطائرة من علو 10000 متر إلى 2000 متر، واصلت طائرات F4 قصفها وأصابت المحركين الموجودين على طرفي الطائرة. حلقنا طيلة أزيد من 10 دقائق بمحرك واحد وهو موجود في الوسط. ومن المعجزة أن المحركين المصابين لم ينفجرا. ومن الأعجوبة كذلك أن القائد نجح في الحفاظ على توازن الطائرة وواصل طيرانه.

انحنيت نحو الملك وسط الضجيج المروع والهلع، نظر إلي بشكل غريب وتفاهمنا على الفور، وأمر بالعربية قائلا :”قال عبر الراديو بأنني توفيت، أعلنوا موتي”. نقل قائد البوينغ الرسالة صدق المهاجمون الخدعة وابتعدت الطائرات المهاجمة .سأل برج المراقبة إن كنا نستطيع الوصول إلى مطار الرباط ـ سلا، بعد أيام صرح الخبراء الأمريكيون الذين جاؤوا لمعاينة الطائرة بأنه لم يكن لنا حظ واحد من مليون للوصول بسلام لكننا وصلنا. وأعتقد أننا مدينون بسلامتنا لحنكة القائد وأيضا لصلاة الملك وهذا الحظ الخارق زاد من مكانه الحسن الثاني عند الشعب الذي رأى فيه عناية إلاهية.

وبرباطة جأش لا تصدق تمكن القائد من النزول في المطار خرجت الطائرة عن المدرج وتوقفت في العشب.

من نوافذ الطائرة المتوقفة رأينا وفدا عن الحكومة وعلى وجوههم الحزن والحرس الملكي على استعداد لتحية الملك الوداع الأخير والجينرال أوفقير مهندس الهجوم الذي جاء ليتأكد من وفاة الملك، فتح الباب ورأى الشهود على أرضية المطار الكولونيل الدليمي ومحمد المديويري وريموند ساسيا يقفزون إلى خارج الطائرة والسلاح بأيديهم.

وأمام اندهاش الجميع وحسرة الانقلابيين خرج الحسن الثاني وراءنا شاحبا ملابسه غير مرتبة لكنه كان سليما. أسرع الجينرال أوفقير لتقبيل يده وقاده حرس الشرف. تبعت الملك وأنا أعرج جاء الوزراء للسلام عليه، أبعدت المتطفلين وقلت بصوت صارم :”جلالة الملك نجا من محاولة اغتيال وهو معافى لكنه يريد أن يرتاح، اسبقوه في الموكب. التحقوا بسياراتكم وكونوا على استعداد للالتجاء نحو القصر الملكي. خلت قاعة الشرف، قلت لأفقير :”سر أمامنا عندما يركب الملك سيارته سأخبرك لانطلاق الموكب الذي ستكون في مقدمته”.

وجهت الملك نحو المراحيض ليرطب وجهه بعد هذه الانفعالات وقفت أنا والمديوري في مدخل المراحيض. وعندما خرج الجميع أعطيت إشارة الانطلاق لافقير عبر الراديو، في مقدمة الموكب كان أوفقير متيقنا بأن الملك ركب سيارته في الواقع شقيق الملك هو الذي ركب سيارة المرسيديس 600 المصفحة وسط حرس الشرف ووسط الفوضى لم ينتبه أحد للأمر، وهكذا أعطى أفقير الأمر للانقلابيين ببدء المرحلة الثانية من العملية. عادت إحدى طائرات F4 ورصدت موكب السيارات على الطريق وأطلقت النار لإنهاء الأمر. سقط 8 قتلى وحوالي 50 جريحا. في تلك الأثناء بقيت مختبئا داخل المطار صحبة المديوري والملك، خرجنا خلسة عبر بوابة خلف البناية كان هناك موقف يضع فيه موظفوا المطار سياراتهم التقينا رجلا شهما كان يدخن سيجارة قرب سيارته الصغيرة كان مبهورا برؤية فرنسي ينزف دما يتقدم نحوه وبيده سلاح. عندما تعرف على الملك كان مغمورا بالسعادة للسلام عليه، قبل قدميه ويديه، طلب منه الحسن الثاني إن كان يسمح بأن يستأجر منه سيارته. لقد كان اسعد يوم في حياة ذلك المغربي البسيط. أعطانا المفاتيح، وانطلق الملك بالسيارة وأخذنا طرقا ملتوية حتى الصخيرات عند مخرج المطار وجدنا سيارات الحرس الملكي التي رافقتنا. وعندما اكتشف أوفقير أنه خدع، فكر في قصف القصر الملكي لكن الملك لم يكن في الرباط لقد فشل الانقلاب.

نقلت إلى المستشفى العسكري للعلاج، وفي الليل جاء شقيق الملك مولاي عبد الله خفية إلى غرفتي ليقبلني، وفي اليوم الموالي بعث إلي الحسن الثاني رسالة تمنيات بالشفاء، وبعث غلي الأمير الصغير مولاي رشيد إكليلا كبيرا من الورد.

وبعد شفائي استقبلني الملك بحرارة وقال لي وهو يضحك:” هربنا في السيارة الصغيرة ولكنني أفضل منذ الآن أن تنتقل في سيارة أكثر راحة، سأخصص لك سيارة بي إم دبليو بسائق لنقاهتك وتنقلاتك في المملكة كما أنني أود أن تستقر هنا بالمغرب…”.

أجبته :”جلالة الملك أقدر رعايتكم ولكن لا استطيع الإقامة بالمغرب،، تعلمون جيدا أنني لن أكون أبدا مواطنا مثل الآخرين لأنني فرنسي وكاثوليكي وإذا ما وقع لي نزاع مع مغربي حتى وإن كنت على حق، ستكون مجبرا على الحسم لصالح الآخر الذي ترتبطون معه بروابط عميقة…

- رد قائلا:” معك حق ريمون ، لقد فهمت كل شيء الروابط مع شعبي ستكون دائما أقوى من الروابط مع أجنبي حتى وإن كان صديق ثقة مثلك”.

بعد المحاولة الانقلابية، أبلغني المدير العام للشرطة الفرنسية السيد دور قرار تعييني عمديا ممتازا بصفة استثنائية تقديرا للتصرف الشجاع في مهمتي وفي المغرب كانت لي صفة والي أمن…


جيمس بوند فرنسا يروي 28 سنة في خدمة الحسن الثاني
القنص الملكي: جيسكار ديستان و600 طريدة على المائدة

في سياق هذا النمط الملكي الذي لا يمكن إلا أن يحبس أنفاس الفرنسيين المتعودين على التقاليد الجمهورية المتواضعة، أتذكر أيضا رحلتين للصيد تجاوز فيهما الحسن الثاني بأسلوبه رحلات الصيد الرئاسية التي حضرتها في غابة رامبويي.

عندما حل الرئيس فاليري جيسكار ديستانغ في زيارة رسمية للمغرب للمغرب، نظم الملك رحلة صيد قرب دار السلام، وكان يعلم أن الرئيس عاشق للصيد. في الليلة السابقة تم إطلاق مئات من طيور التدرج والحجل في الغابة. طلب مني الملك أن أقف على يمين الرئيس والمديوري على يساره لتفادي وقوع أي حادث قد يخلف فضيحة كان معنا أيضا إدريس البصري وزير الداخلية والجينرال حسني بنسليمان وبعض الوزراء والجينرالات كان يوما رائعا. في نهاية النهار قدم للرئيس طبق صيد لا يصدق بحوالي 600 طريدة…

ولكن أجمل رحلة صيد عشتها في حياتي جرت قرب الإقامة الملكية الصيفية بإفران، لم يكن هناك ضيوف شرف بل فقط بعض المقربين من ضمنهم إدريس البصري، المديوري والجنرال بنسليمان أحد الضباط القلائل الذين كان يثق فيهم الملك، أما المديوري فقد كان يهتم بالأمن الملكي وكان أيضا رئيس الجامعة الملكية للصيد، كان هذا المنصب حساسا لأنه يوجد بالمغرب صيادون كثيرون. كان الصيد مراقبا بصرامة لتفادي أي يتجمع أشخاص مسلحون لهدف آخر غير صيد الوحش… وكانت الأسلحة محدودة في البنادق من عيار 16.12 و 20 ملم. أما الأسلحة ذات العيارات الكبرى لاصطياد الخنزير البري، والتي يمكن أن تصيب على بعد كلم فلم يكن يعهد بها سوى لأشخاص أهل الثقة فقد كان الملك يخشى أن تحول مثل هذه الأسلحة ضده أو ضد عائلته.

كان الملك واقفا في أعلى برج وكان المدعوون في الأسفل مصطفين وبمسافات معقولة. وفجأة في قمة الهضاب رأينا مئات الحياحة على جيادهم بلباسهم الأبيض قادمين من الدواوير المجاورة، كانوا يضربون على طبول ويغنون لإخراج الخنازير البرية من مخابئها. كان منظرا رائعا. لكنني ارتكبت خطأ فادحا بدأت الخنازير تظهر وهي تزمجر، بطبيعة الحال الطلقة الأولى للملك أصاب الحسن الثاني خنزيرا ذكرا ضخما، لكن الحيوان جرح فقط وكان حدسي كصياد أقوى، أطلقت رصاصة وقتلت الحيوان، رأيت الملك منحنيا من على البرج وقال :”من هو هذا الذكي الضمير الذي قتل الخنزير، أحسست بالإحراج وبقيت بعيدا وتراجعت عن إطلاق النار. مقابل ذلك عاتبني الملك من أعلى البرج قائلا:” إذا أنت في الأسفل لم لم تعد تطلق النار وتترك الوحش يهرب، الجميع سخر مني وفي مقدمتهم الملك… لقد كان متقلبا صغيرا في حاشية القصر بما أنني كنت قناصا ماهرا. ولإعطاء الملك الأفضلية، أعطاني المديوري بندقية من خزانة أسلحة القصر، بندقية من نوع وينشستر 300 ماغنوم برصاصات ملائمة للعيار ولكنها لم تكن الرصاصات المتعارف عليها بهذا السلاح، وهو ما كان عائقا بالنسبة لي…


جيمس بوند فرنسا يروي 28 سنة في خدمة الحسن الثاني


جيمس بوند فرنسا يروي 28 سنة في خدمة الحسن الثاني
اللويز الملكي

رأيت مشاهد من التملق الذليل التي لا تصدق… وهذه الإنبطاحات المتملقة وغير الصادقة في الغالب كانت جزءا من ممارسات البلاط. مثل لويس 14 في فيرساي، كان الحسن الثاني يستعمل التشريفات والمال للتعامل مع عالمه الصغير. وكانت هناك أيضا بعض اللحظات القوية، أتذكر كسكسا ملكيا أقيم بالقصر بمناسبة رأس السنة، وعندما قدمت الأطباق وسط الموائد وكان حول كل واحدة عشرة أشخاص، تمنى الملك للحاضرين شهية طيبة، هرع الضيوف بأيديهم وسط الكسكس كنت أعرف أنه في الأوساط الراقية في المغرب العربي يأكل الناس الكسكس بأيديهم لكن تلك السرعة التي كان يدخل الضيوف أيديهم في الكسكس فاجأتني، وهنا شرح لي عبد الفتاح فرج الذي كان بجانبي بأن الملك خبأ قطعا ذهبية في الأطباق وأدخلت يدي مثل الآخرين ولم أعثر على شيء، الضيف الذي كان بجانبي وجد قطعة ذهبية أهداها لي كعربون ضيافة، كان ذلك مضحكا وباذخا كما في حكايات ألف ليلة وليلة.

حملت للملك معلومات أمنية عن استهداف حياته

طوال مهمتي لم أكن أنقل ما أراه وأسمعه لمصالح المخابرات أو المصالح الدبلوماسية الفرنسية. لم يكن هذا من مهامي، بطبيعة الحال كنت سأخبر وزير الداخلية لو رأيت أن بلدي في خطر، لكن العلاقات بين المغرب وفرنسا كانت مطبوعة بالصراحة والمحبة. بعض المرات فقط طلب مني الحسن الثاني أن أحمل رسائل مباشرة إلى وزراء الداخلية سواء من اليمين أو اليسار أو إلى رئيس الجمهورية كلما كان يريد نقل رسالة مهمة بسرعة وسرية كان يعيرني طائرته الخاصة ميستير.ه. وكنت أقوم بالرحلة ذهابا وإيابا في نصف يوم، وفي كل الأحوال، لو كنت نقلت للحكومة الفرنسية معلومات عن المغرب وملكه سيكون ذلك سرا من “أسرار الدفاع” ولن أبوح به، على العكس كنت في بعض المرات مكلفا ينقل معلومات صادرة عن مصالح المخابرات الفرنسية تخص أمن الملك.

إنقاذ حياة الملك

أنقذت حياة الملك عدة مرات، مثلا ذات مرة خلال أحد تنقلاته داخل المغرب، خرج أحد المختلين من الحشود وهو يحمل سكينا، لمحت المعتوه قم قفزت للوقوف بينه وبين الحسن الثاني. أمسك رجال الشرطة بهذا المجنون وسحبوه بسرعة. كان ولي العهد الملك الحالي محمد السادس بجانبي، كان عمره 10 سنوات، ومازلت أتذكر نظرته، كان مشدوها لقد كان طفلا ولم يكن يفهم لماذا يريد البعض قتل أبيع.

الملك الغاضب لبطانته:
كلكم مرتشون إلا ساسيا !

لم استغل أبدا علاقتي الخاصة بالملك كنت أتذكر دائما نصيحة جاك شبان ديلماس ،”أخدم الملك كما خدمت الجينرال”. وعلاقة الثقة والصراحة كانت ترتكز على نوع من الاستقلالية ، فلو قبلت من الملك أن من محيطه امتيازات كنت سأفرط في سلطتي في مجال عملي. كان الملك يعلم أنه يمكن أن يعتمد علي لأنني غير قابل للارتشاء، محيط الملك كان يحترمني لأنني لم أكن أدخل في لعبة المجاملات والتواطؤات والأعمال والمناورات. بطبيعة الحال كان الملك كعادته له مبادرات جميلة تجاهي وتجاه زوجتي. في المغرب كنت ضيف الملك، أقيم في أفخم الفنادق، وسيكون من غير اللائق رفض هدية من الملك، ولكن كل ذلك من أجل إسعادي ولإظهار ثقته بي، لم يكن ذلك من أجل شرائي. وهو لم يكن بحاجة لذلك لأنني كنت رهن إشارته في مهمة محددة في إطار علاقات التعاون بين بلدينا، كنت أحصل على راتبي كموظف بالشرطة الفرنسية وكان كافيا ليضمن لي استقلاليتي وكان ذلك يلائمني تماما.

ذات مرة كان الملك خارجا من اجتماع وهو غاضب، أخذني من يدي أمام عدة شخصيات وصاح :”كلكم مرتشون لا يوجد هنا إلا رجل واحد نزيه إنه ريموند”، ارتبكت حرجا، بعض المغاربة رجال أعمال أو مستشارون كانوا يعتبرونني بليدا، يقولون :” في الموقع الذي يوجد فيه وبالتقدير الذي يكنه له الملك هذا الفرنسي بليد لأنه لا يستغل ذلك ويستفيد، لكنني لم أكن أعير اهتماما لرأيهم ، لم يكن يهمني سوى رأي الملك والحرص على إنجاز مهمتي خدمة لفرنسا ولشرف الشرطة الفرنسية..

(…) وما أسعدني كثيرا هو عندما بادر الملك بترشيحي شخصيا كقائد بأسمى وسام مغربي، وهو الوسام العلوي يوم عيد العرش، وقال أمام عدد من الوزراء والشخصيات أمثال صديقي موريس درويون :”الجنود المغاربة أعطوا دماءهم لفرنسا خلال الحروب الأخيرة، هذا صحيح ولكن هناك فرنسيا أعطى دمه لفرنسا للملكة المغربية، ريموند أنت واحد منا”. وهكذا يكون تكريم الجندي بالأوسمة لا بالذهب الملك كان يلقبني برفيقه في السراء والضراء، هذا أيضا يسعدني.

الملك: فساد الحاشية إلهاء لها

لم أكن معنيا مباشرة بأساليب الترهيب التي وضعتها شرطة الدليمي السرية لقمع أو إرهاب المعارضة. أنا لست مغربيا، كنت مدعوا من الملك للقيام بمهمة محددة موكولة لي من الحكومة الفرنسية، هناك قواعد للعب، لم يكن من حقي أن أتدخل في الشؤون الداخلية للمغرب، ولكنني كنت أحتفظ بملاحظاتي لنفسي.

كان الملك يمارس الكولف يوميا، كان ذلك بالنسبة لف فترة استراحة وكان غالبا ما يصحب معه وزيرا أو خبيرا لمناقشة ملف معين وهو يتجول في ملاعب الكولف بعيدا عن مسامع المتطفلين. مرة كنت أرافقه في مسالك الكولف، سألني بشكل مباشر وحاد :”أخبرني ريموند صحفيوكم الفرنسيون ليسوا رحيمين معي في هذه الأثناء بخصوص حقوق الإنسان، صراحة ماذا يقول الناس عني؟”.

أجبته :”بما أنكم طلبتم مني ذلك وبكل احترام الواجب لجلالتكم يجدون أن القمع شرس للغاية يحكي الناس بأن بعض مكاتب الشرطة تمارس التعذيب على المشتبهين يقال أيضا بأن هناك الكثير من الفاسدين في محيطك…”.
رد قائلا :”ستقول لأصدقائك الصحفيين بأن المغرب ليس فرنسا، أولا فهو ليس جمهورية إنه ملكية، نحن لا نغير الرئيس كل خمس سنوات والحكومة لا تسقط كل أربعة أسابيع هذا يغير العلاقات… مكتوب في دستور بلادنا بأن الملك شخص مقدس، ومن يريد به الأذى يهدد البلاد بأكملها، في هذه الحالة القمع صارم ولكننه ضروري. إضافة إلى أن رهانات استقرار الدولة ليست هي نفسها. في ما يخص الفساد، اعلم أن الأشخاص المحيطين بي أعرفهم جميعا. أعرف ما يفعلون أعرف أنهم يسرقون، ولكن، ريموند، أفضل أن يكونوا حولي وهم يأخذون، هكذا أراقبهم وإلا سيكونون في الظل وهم يتآمرون إنها السياسية”.

أسبوع قبل رحيل الملك

بقيت في خدمة الملك من سنة 1971 حتى وفاته في يوليوز 1999، أي طيلة 28 سنة أتذكر أيامه الأخيرة كنت إلى جانبه. قبل وفاته بأشهر، وكان الملك متعبا ومريضا. فكر الرئيس جاك شيراك لأول مرة في إشراك جنود دولة أخرى في احتفالات 14 يوليوز في الشانزيليزي، وبهذه المبادرة أرادت فرنسا تكريم المغرب. عندما اقترح شيراك على الحسن الثاني الفكرة كان متأثرا، وطيلة ثلاثة أشهر أشرف بنفسه على تنظيم عرض الحرس الملكي واختار الجنود الذين سيكون لهم شرف تمثيل المملكة إلى جانب القوات الفرنسية أمر بإنجاز بذلة جديدة لهم بيضاء بطربوش كبير أحمر… ويوم 14 يوليوز كان واقفا إلى جانب رئيس الجمهورية. كان فرحا لرؤية استعراض هذه الوحدة الرائعة تحت تصفيقات الباريسيين المنبهرين أنشدت الجوقة العسكرية المغربية نشيدها الوطني، ودون سابق إخبار، وعند مرورها أمام المنصة الرسمية أنشدت النشيد بلد آخر، الملك أراد هذا الخلط لإظهار الروابط المنسوجة بين مملكته وفرنسا، في نهاية الحفل، رافقته إلى الفندق وقال لي :”إنه أحسن تكريم يمكن أن يقدم لوالدي رفيق التحرير وللقوات المغربية التي قاتلت من أجل فرنسا خلال الحروب الأخيرة… الآن أنا متعب لنعد على البيت”. رافقته حتى الرباط وتوفي بعد أسبوع…

عن مجلة الأيام