عام الجوع, عام الطاعون, عام بوكليب , عام البون و بونتاف”

أعوام سوداء أفنت ثلثي المغاربة


أعوام سوداء أفنت ثلثي المغاربة

ثلاثة قرون كادت تفرغ المغرب من أهله وتحكم على شعب بكامله بالانقراض، من القرن 18 إلى المئوية الماضي، تعاقبت على المغاربة أعوام هي الأكثر حلكة وقسوة في تلك الفترة عانى المغاربة كل ما يتضمنه قاموس الموت من جوائح، وظلت أعواما شهيرة تكتنف تفاصيلها الذاكرة الشعبية ، “أوال” تفتح سجل أشد الكوارث فكا في تاريخ المغرب وتعيد ترتيب كرونولوجيا سنوات حكمت على ثلثي المغاربة بالفناء.

نعم ثلثي المغاربة ثلث راح ضحية سنوات جفاف وقحط وجراد، منتصف القرن 18، عندما عاش المغرب عام الجوع، وهو ما أصبح يعرف بـ”المجاعة العظيمة” وثلث آخر توزع على أعوام “الطاعون” و”البون” و”بونتاف”.

يجمع مؤرخو المغرب، القدماء، مثل الناصري والضعيف والمحدثون مثل محمد الأمين بزاز في كتابه “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب” على أن هذه الفترة من عمر المغاربة كانت أشبه بكابوس دام طويلا، في هذه الفترة باع مغاربة أبناءهم لإخماد نار الجوع، وكان أول عهد للعديد منهم بالسطو والبغاء والتسول، واضطر آخرون إلى افتراس الكلاب والقطط والخنازير، بينما تكلفت أوبئة بتقليص عدد المغاربة إلى 3 ملايين نسمة، في ما كان عددهم يصل إلى خمسة ملايين.

عام الجوع

هذه الجائحة هي الأشد فتكا وطولا في تاريخ المغرب، بدأت النكبة سنة 1766، عندما أصدر السلطان سيدي محمد بن عبد الله، قرارا يقضي بتصدير 30 سفينة من القمح إلى فرنسا وإسبانيا والبرتغال. استمر تطبيق هذا القرار حتى 1774 تضاعف خلال هذه الفترة ثمن القمح ثلاث مرات، كان ذلك قبل سنتين تحديدا من اجتياح موجة جفاف لمناطق من المغرب، مهدت للمجاعة الأكبر في تاريخ المغرب.

بدأت هذه المجاعة سنة 1776 عندما اجتاح الجراد منطقة سوس وما حولها. تحسنت الأوضاع نسبيا خلال السنتين التاليتين بفضل سقوط الأمطار، لكن سرعان ما ستضرب موجة جديدة من الجراد جل مناطق المغرب، وينحبس المطر من سنة 1779 إلى 1782 موذنا بانطلاق أشد سنوات الجفاف سوءا، وفاتحا باب جحيم مجاعة عظمى اضطرت المغاربة إلى أكل لحم الخنزير والأعشاب البرية مثل نبتة “يرني” التي ستشتهر فيما بعد وتصبح رمزا للجوع عند المغاربة.

عام الجوع هذا يلخصه محمد بركاش نائب السلطان آنذاك بطنجة حينما يقول “كان الضعفاء يتخاطفون على الحوت بشدة وازدحام ويأكلونه نيئا”، أما المؤرخ الضعيف الرباطي فوصف مشاهد الخراب بالقول “مات عامة الناس بالجوع، وعجز الناس عن دفن موتاهم، وكانوا يرمونهم في الأزقة والمزابل وغير ذلك”، كما بلغ الجوع أشده لدرجة التجاء لصوص إلى نبش القبور وسرقة الأكفان من أجل بيعها، استغل السلطان والأعيان هذه النكبة واعتبروه غضبا من الله على المارقين، وهو ما دفع الناس إلى الانصراف إلى العبادة والتوبة، أما صلاة الاستسقاء فأقيمت عدة مرات في اليوم، حتى اليهود المغاربة لجؤوا إلى صلاة الاستسقاء التي يدعونها “هكشيم” شدة وطأة الجراد والجفاف والجوع والغلاء اضطر مغاربة إلى احتراف النهب والبغاء، إذ يشير محمد الأمين بزاز في كتابه إلى أن المغرب اكتظ بقطاع الطرق، بينما وصل عدد أفراد كل عصابة إلى 200. ولجأ سكان المناطق الجبلية إلى تنظيم عمليات سطو على مخازن القمح والمطامر في السهول.

حصيلة عام الجوع، كما يوردها المؤرخون هي وفاة ثلث المغاربة في تلك الفترة، رافق ذلك اختلال كبير في اقتصاد المغرب وتجارته الخارجية وبعدما اضطر السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى فتح باب الاستيراد ما هيأ لبداية التدخل الأجنبي في الشؤون المغربية.

الأدهى والأمر أن كل ذلك كان قبيل اجتياح وباء وعام آخر أسود أتى على العديد ممن نجوا من عام الجوع، إنه عام الطاعون.


أعوام سوداء أفنت ثلثي المغاربة


عام “بوكليب”

كانت مناطق عدة خلت من أهلها لدرجة أن المغاربة كانوا يقطعون البلاد طولا وعرضا دون أن يصادفوا في طريقهم أحدا. رغم ذلك، لم يتوقف مسلسل الموت عند هذا الحد بل استأنف جولته في سنة 1834، التي اشتهرت عند المغاربة بعام “بوكليب” أي “الكوليرا”

موجة هذا الوباء ستبدأ كالعادة من الجزائر قبل أن تنتقل إلى فاس ومدن الشمال ورغم بطء انتشار هذا الوباء إلا أنه كان يحصد ضحاياه في صمت إذ أتى في ظرف ثلاثة أسابيع على حوالي 580 ضحية في اليوم، بمدن الشمال لوحدها.

عادت “الكوليرا” ثانية سنة 1854 انطلقت من فاس مرة أخرى غير أنها لم تفرق بين المغاربة والأجانب هذه المرة إذ أودت بحياة 10 في المائة من الجالية الأوربية بالمغرب.

عام “بوكليب” طال كثيرا، وظل يجتاح المغاربة على رأس كل عشر سنوات، في 1858 و1868 و1878 أما الأسباب فتعددت، بين الحملات العسكرية الإسبانية والفرنسية التي كانت تجلب الوباء إلى المغرب، ووفود الحجاج الذي ينقلونه من مصر وتونس والجزائر.

أما تبعات المرض فكانت واحدة خراب ودمار وموت وبوار، إذ فتحت “الكوليرا” باب المجاعة والغلاء وأسقام أخرى فتاكة مثل “التيفويد” وهو ما يلخصه الناصري في كتاب “الاستقصاء” حينما يقول “تعددت فيها المصائب والكروب وتكونت فيها النوائب والحضوب لا أعادها الله عليهم فكان فيها غلاء الأسعار… ثم عقب ذلك انحباس المطر لم ينزل منه قطرة من السماء… وهلكت منه الدواب والأنعام وعقب ذلك الجوع ثم الوباء على ثلاثة أصناف، كانت أولا بالإسهال والقيء في أوساط الناس بادية وحاضرة ثم كان الموت بالجوع في أهل البادية خاصة هلك منه الجم الغفير، وبعد هذا كله حدث الوباء بالحمى “التيفوئيد” في أعيان الناس وأماثيلهم فهلك عدد كثير”
آخر اجتياح ل”الكوليرا” سيكون في غشت 1895 عندما وصل وفد جديد من الحجاج إذ رست سفينتهم بميناء طنجة خلف “بوكليب” في هذه السنة لوحدها أزيد من 700 ضحية.

عام “البون” و” بونتاف”

لم يكد المغاربة يستفيقون من كابوس المجاعات والأوبئة التي اجتاحت البلاد، حتى بدأت فصول تراجيديا مأساة جديدة، عقب إعلان الاستعمار الفرنسي والإسباني على ربوع المغرب بداية من سنة 1912.
كان هذا التاريخ فاتحة فرض نظام جديد ضيق على المغاربة أحوال معيشتهم وسن أنماطا حياتية واقتصادية لميعدها المغرب قط استمر مد الغلاء والفقر حتى سنة 1929، تاريخ أول أزمة اقتصادية قبل أن يتفجر الوضع سنة 1944 وهي السنة التي تعرف عند المغاربة بعام “البون”.

في هذه السنة انخرطت فرنسا في الحرب العالمية الثانية وأجبرت المغرب على الانخراط بدوره في هذه الحرب، تم ذلك عن طريق تجنيد مئات “الأهليين” وتوجيه موارد الاقتصاد المغربي لسد نفقات الحرب الفرنسية.

اضطر المغاربة، من جديد إلى التسول وأكل خشاش الأرض والأعشاب البرية لسد جوعهم بينما فرضت السلطات الاستعمارية نظاما اقتصاديا جديدا لتجاوز هذه الأزمة الغذائية التي كادت تعصف بسكان المغرب الأولين.

هذا النظام تجلى في فرض استعمال أوراق الإذن لشراء بعض المواد. هذا الوصل عرف عند المغاربة ب”البون” ومنه جاءت تسمية هذه السنة الكالحة في تاريخ المغرب ب”عام البون”. كان الطحين المقدم في شكل مساعدات من الولايات المتحدة الأمريكية، والتي انخرطت في الحرب العالمية إلى جانب فرنسا هو المادة الأساسية التي حصل عليها المغاربة مقابل “البون” وبالتالي فقد كان هذا العام هو بداية استعمال المغاربة للطحين “الفارينا” في تغذيتهم إلى اليوم.

لم يقتصر أثر هذه النكبة الغذائية على أهل الحضر، بل طالت سكان البوادي الذي سموا سنة 1944 بعام “بونتاف” والسبب هو بوار الفلاحة بسبب الجفاف، لدرجة أن النباتات لم تنم وتطلب من الفلاحين إخراجها نتفها واجتثاثها من الأرض ومن هنا جاءت تسمية “عام بونتاف”.

عن أوال


أعوام سوداء أفنت ثلثي المغاربة


أعوام سوداء أفنت ثلثي المغاربة

من هم أشهر الخونة في المغرب؟

من هم أشهر الخونة في المغرب؟


من هم أشهر الخونة في المغرب؟
في هذا الملف- التحقيق، تنبس”أوال” ذاكرة المغرب المسكوت عنها. وتطلع المغاربة على حقيقة الخونة الذين كانت لهم سلطة سياسية أو روحية أو علمية، لكنهم رغبوا في توجيهها ضد إرادة المغاربة، فكان المغاربة لهم بالمرصاد. بنفس المرصاد تسقط “أوال” ورقة التوت الأخيرة عن امتداد الخيانة في حياتنا الراهنة، وتكشف لقرائها، استنادا إلى مراجع تاريخية، حقائق تنفرد ” أوال” بنشرها لأول مرة.

يعتبر الفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري أن فقهاء المذهب المالكي لخصوا ” الكلام في الإمامة”، أي اختيار الحاكم أو السلطان، في كلمة واحدة هي:” من اشتدت وطأته وجبت طاعته”، ويضيف الجابري:” وقد عبر ” العامة” في المغرب بلهجتهم وبصيغة لا تخلو من تهكم، عن هذا المبدأ الفقهي فقالوا: ” الله ينصر من أصبح”. فهل يعني ذلك أن المغاربة لا عهد لهم، وبإمكانهم أن يدعوا بالنصر لسلطان بالليل، وأن يبايعوا من انقلب عليه في الصباح..؟

بالرجوع إلى تاريخ المغرب، بعد الفتح الإسلامي، نجد أن ولاء المغاربة لهذا السلطان أو ذاك، كان يختلف حسب المناطق، أو حسب الزوايا الصوفية، أو العائلات المعروفة.. ومهما احتد الخلاف وبلغ القتال، فلم يكن أي طرف يرمي الزاخر بالخيانة، طالما أن الأمر يتعلق بصراع داخلي لحسم الحكم لهذا السلطان أو ذاك، أو هذه الدولة أو تلك، بل حتى الاستعانة بحاكم مسلم، من غير المغاربة، ضد حاكم مغربي جائر،لم يكن يثير أي حرج، فعندما استنجد عبد الملك السعدي بالأتراك العثمانين ضد ابن أخيه محمد المتوكل، الذي استبد وطغى وقتل إخوته وأهمل شعبه، لم يصفه أحد من العلماء أو من عامة الناس بالخيانة. لكن العلماء، كما عامة الناس، سيقومون بالمرصاد لمحمد المتوكل حين لاذ واستقوى بالبرتغاليين. من جانب اخر، فمفهوم الخيانة لم يكن يتردد بقوة بين المغاربة، بل لن يأخذ معناه الحالي، أي ” خيانة الوطن”، إلا مع ظهور ” الحركة الوطنية” في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، وبالضبط أثناء مناهضة الظهير البربري، الذي سعى من خلاله الاستعمار الفرنسي، إلى تقسيم المغرب إلى : عرب يحتكمون إلى الشريعة الإسلامية، و” بربر” تحكمهم الأعراف المحلية والقوانين الفرنسية. حيث سيشار إلى المناهضين لهذا الظهير بالوطنيين، فيما سيطلق على المنحازين إليه وإلى فرنسا بالخونة. كلمة خائن ستترسخ لدى المغاربة أكثر سنة 1953، بعدما نفت فرنسا محمد الخامس، وأجلست على عرشه ابن عرفة، حيث سيشرع المقاومون بايعوا ابن عرفة ملكا، ففي هذه الأثناء ” وضعت قائمة تضم 65 خائنا… ” إذا كان الإنسان بالمرصاد للوطنيين ويعمل جهده للإطاحة بهم، فهؤلاء كنا ننفذ فيهم الإعدام” يحكي المقاوم الحسن العرائشي.


من هم أشهر الخونة في المغرب؟
لجنة تطهير الخونة

” بمقتضى ظهير شريف عدد 103-59 المؤرخ بسادس رمضان 1377 ( 27 مارس1958)، أحدثت لجنة مهمتها إصدار العقوبات في حق الأشخاص الواردة أسماؤهم في لا ئحة صدر بها المرسوم عدد131.9.572، المؤرخ بثالث صفر الموافق 3 شتنبر 1957 وفي لا ئحة يقدمها رئيس الحكومة ووزير الداخلية”، هذه اللجنة التي أطلق عليها اسم ” لجنة تطهير الخونة”، هي التي أسندت إليها مهمة التحقيق من وطواعية بدور حاسم في إعداد وتنفيذ وتوطيد مؤامرة غشت 1953″، أي مبايعة ابن عرفة ” أو ارتكبوا أعمال عنف ضد الشعب أو المقاومين في الفترة المتراوحة ما بين 24 دجنبر 1950 و 16 نونبر 1955″. بالإضافة إلى مهمة التحقق من الأسماء المعروضة عليها، أنيطت باللجنة مهمة تحديد العقوبة المستحقة في حق هؤلاء الخونة من تجريدهم من حقوق المواطنة إلى مصادرة أموالهم، ” إذا ما ثبت أن ثروتهم اكتسبت كلها أو بعضها إما بطريقة غير مشروعة وإما بتجاوز الحد في استعمال السلطة أو استغلال النفوذ”، وقد تم تفصيل عقوبة التجريد من حقوق المواطنين، في ” تنبيه” ذيل اللائحة النهائية للخونة، وهو الحرمان من ” حق الانتخابات وحق مزاولة نشاط سياسي أو نقابي أو حق شغل وظيفة عمومية والتجريد من كل الرتب في الجيش والعزل من وظيفة المقاولة وعدم القبول كمحلف قضائي أوخبير أو شاهد لدى المحاكم، والحرمان من مزاولة التعليم، وحق تسيير الصحافة والإذاعة والسينما وغيرها”.

أول ملاحظة تثار حول هذه اللائحة، هي أنها جاءت محددة من طرف الوزير الأول الداخلية ، من دون أن تترك للجنة المشرفة إمكانية أن تضيف عليها أسماء أخرى، الشيء الذي جعل بعض المؤرخين يعتبرون أنها لم تتعرض لأهم الخونة الذين عادوا إلى دواليب السلطة مباشرة بعد الاستقلال، ” غداة الاستقلال، استأسد خونة الأمس وأصهار المستعمرين من أمثال عبد الوهاب بن منصور” شكام الفرنساويين”، الذي أصبح مؤرخ المملكة، وجنود الاستعمار الفرنسي: المحجوب احرضان وعبد الحفيظ بن الحبيب الذي أصبح وزير القصور والتشريفات ومحمد أفقير وأحمد الدليمي…” يصرح ل”أوال” المؤرخ عبد الكريم الفيلالي الذي كان محمد الخامس قد كلفه “، بعد الاستقلال، بمهمة التوثيق بالقصر الملكي.


من هم أشهر الخونة في المغرب؟
المارشال أمزيان..
من شابة أباه فما ظلم..

في يونيو 2006، افتتح لجماعة بني انصار، القريبة من مدينة الناظور، متحف المارشال أمزيان، وهو الافتتاح الذي حضره، بالاضافة إلى ممثلي الحكومة المغربية، كل من الجنرال رافاييل باربودو، الرجل الثاني في الجيش الإسباني، والجنرال رافاييل باربودو، الرجل الثاني في الجيش الإسباني، والجنرال فيسنتي دياز دي بييكاس، القائد العسكري العام لمدينة مليلية، الذي حضر بزيه العسكري، ناهيك عن السفير الإسباني بالمغرب.

بمقابل هذا الحضور الرسمي، حج إلى موقع الإفتتاح عدد من الجمعيات الحقوقية والثقافية بالريف، محتجة ومنددة بتكريم هذا العسكري الذي ” سبق له أن شارك مع الجانب الإسباني في معركة أنوال ضد الريفيين بقيادة عبد الكريم الخطابي سنة 1921… زارك سنة 1959 في الحملة القمعية التي باشرها المخزن المغربي ضد انتفاضة الريف، مرتكبا في ذلك أفظع الجرائم الإنسانية”، يقول البيان الذي صدر حينها عن ” جمعية الريف لحقوق الإنسان”، فلماذا اختار أمزيان خيانة أهله ومواجهتهم؟ كان عمرلا محمد أمزيان يبلغ من العمر 13 سنة، عندما التحق سنة 1913 بالمعهد الحربي بمدينة طوليدو الإسبانية، في هذا المعهد العسكري سيتعرف أمزيان على زميل دراسة امه فرانسيسكوفرانكو، سيصبح دكتاتور إسبانيا الفاشيستي، وسيقلد صديقه المغربي رتبة جنرال.

في سنة 1921، ستنطلق المقاومة الريفية بقيادة عبد الكريم الخطابي، حيث سيصطف الضابط أمزيان إلى جانب زملائه الإسبان، في مواجهة أبناء جلدته من الريفيين، الذين سحقوا 13 ألف من عساكر المحتل الإسباني في واحدة من أشهر المعارك في تاريخ المغرب معركة أنوال.

أَثناء حرب الريف، كان والد محمد أمزيان يحرض الإسبان، على إبادة الريفيين، حيث صرح في غشت 1921 لأحد الصحافيين الإسبان قائلا:” السياسة الوحيدة التي يجب اتباعها مع المورو (المغربي) هي القوة والشدة، يجب القضاء عليه وإبادته… بالغازات السامة”، تحكي ماريا روسا دي مادارياغا في كتابها:” مغاربة في خدمة فرانكو”.

بعد استقلال المغرب سنة 1956، سيلتحق أمزيان بالجيش الملكي، حيث سيقضي ثلاث سنوات في تهيء أفراده وكتائبه التي سيقودها سنة 1959 لقمع انتفاضة الريف، التي يسميها الريفيون” عام إقبارن”، حيث قتل ونكل بالمئات من أهل الريف، وفي سنة 1970 سوف يعلنه الملك الحسن الثاني أول واخر عسكري برتبة مارشال في تاريخ المغرب، وسيعيده إلى إسبانيا سفيرا.


من هم أشهر الخونة في المغرب؟
السلطان المسلوخ محمد المتوكل
خان أهله فسلخوا جلده، وشقوا بطنه وحشوه بالتبن

سنة 1578 ميلادية، لجأ السلطان السعدي محمد المتوكل إلى ملك البرتغال سبستيان، ليدعمه في الحرب على المملكة التي خلعه منها عمه عبد المالك، بعد أن رأى استبداد ان أخيه الذي انشغل عن شؤون الحكم بالسهر والمجون، وكان كلما نبهه أحد من الأقربين إلى أفعاله، يقوم بقتله أو سجنه، بحيث قتل، خلال سنوات حكمه الأولى، اثنين من إخواته وسجن الثالث.

في هذه الأجواء سيلجأ عمه عبد المالك السعدي إلى العثمانيين يستنجد بهم لإنقاذ البلاد من ابن أخيه المراهق المستبد، حيث سيمده الأتراك بـ 5000 من الجنود. عندما أحس محمد المتوكل بأن عمه قريب من السيطرة على البلاد، ترك عرشه ولجأ إلى ملك الرتغال يطلب نصرته على عمه، حيث سيشترط الملك البرتغالي على السلطان الخائن أن يمنحه مقابل إعادته إلى عرشه، جميع شواطئ المملكة، وهو ما تعهد به محمد المتوكل. ولكي يبرر خيانته أمام علماء البلاد ونخبتها: كتب رسالة يشرح فيها رسالة أسباب لجوئه إلى النصارى، الذين فضل أن يسميهم” أهل العدوة” فجاء جواب علماء البلاد حاسما ومفندا مزاعم السلطان الخائن:” … أما قولك في النصارى، فإنك رجعت إلى أهل العدوة واستعظمت أن تسميهم بالنصارى، ففيه مقت لا يخفي. وقولك رجعت إليهم حين عدمت النصرة من المسلمين ففيه محظوران يحضر عندهما غضب الرب جل جلاله، أحدهما كونك اعتقدت أن المسلمين كلهم على ضلال، وأن الحق لم يبق من يقوم به إلا النصارى والعياذ بالله، والثاني أنك استعنت بالكفار على المسلمين…” يوم الإثنين 04 غشت 1578، وقف السلطان السعدي على الضفة الجنوبية من وادي المخازن، على رأس 40 ألف مجاهد، فيما أصطف خلق الملك سبستيان جيش مكون من 130 ألف جندي. لم يتعد زمن المعركة خمس ساعات استطاع المغاربة أن يهزموا جيش أكبر إمبراطوريات الدنيا أنذاك. أما السلطان الخائن محمد المتوكل، فما إن رأى موت صديقه البرتغالي حتى هم بالفرار عبر قنطرة النهر والتي كان الجيش المغربي قد هدمها، حيث عثر عليه غريقا، فسلخ وملئ بطنه بالتبن وطيف به في أرجاء المغرب، وقد عرف بعدها بالسلطان المسلوخ.


من هم أشهر الخونة في المغرب؟
السلطان الدمية محمد بن عرفة
أراد أن يصبح ملكا، فمات غريبا في فرنسا

يوم 13 غشت 1953، نقلت سلطات الاستعمار الفرنسي رجلا شارف على السبعين من عمره، اسمه محمد بن عرفة، وهو حفيد السلطان مولاي محمد بن عبد الرحمان، ابن أخ الحسن الأول، من بيته بحي عقبة السبع بفاس، إلى قصر التهامي الكلاوي بمراكش، وأعلنته سلطانا على المغرب. فلماذا اختار المقيم العام الفرنسي الجنرال كيوم الانقلاب على محمد ابن يوسف الذي كانت فرنسا اختارته خصيصا ليكون مجرد حاكم صوري على المغرب؟
لقد قلبت زيارة محمد الخامس التاريخية إلى مدينة طنجة في أبريل 1947 حسابات فرنسا، فالسلطان الذي وقع سنة 1930 الظهير البربري، الذي رفضه علماء علماء الأمة، أصبح يجرؤ على المطالبة بحق المغرب في الاستقلال! ولما كانت فرنسا، قبل غيرها، تعرف أن سلطان المغرب يملك بالدرجة الأولى سلطة روحية على شعبه، فقد لجأت إلى شيوخ الزوايا والباشاوات والقواد، الذين أعلنوا بين الناس أن السلطان ابن يوسف قد خرج عن تقاليد الأمة وأعرافها حين سمح لبناته بالسفر وبالتعلم في مدارس النصارى… وأن لا بديل للمغاربة إلا هذا الشيخ” الورع” ابن عرفة! هكذا تم نفي محمد الخامس يوم 20 غشت 1953 إلى مدغشقر، وتم نقل ابن عرفة من مراكش إلى الرباط، حيث خرجت الجماهير تهتف باسم محمد ابن يوسف، وحتى يتفادى الجنرال كيوم تصاعد الاحتجاج على تنصيب ابن عرفة سلطانا، ولكي يضمن له أكبر عدد من المبايعين، حمل سلطانه الدمية وانزله بقصر المحنشة بمكناس لتلقي البيعة من قواد المدينة وشيوخا الزوايا، وبعدها نقله إلى فاس لنفس الغرض لمحاولة اغتيال من طرف المقاوم علال بن عبد الله.

خلال العامين اللذين حكم فيهما ان عرفة، تنازل السلطان الدمية عن سلطاته التنفيذية لصالح الصدر الأعظم المقري، وعن سلطاته التشريعية لفرنسا، كما وقع ظهيرا خاصا بتنظيم وتشكيل المجالس البلدية المختلطة، الشيء الذي مكن لفرنسا سيادة مماثلة للسيادة الشريفة على المغرب.

بعد عودة محمد الخامس من منفاه في 1955، عاش ابن عرفة منبوذا بطنجة، وبعد استقلال المغرب في 1956 غادر إلى مدينة نيس بفرنسا، إلى أن مات بها سنة 1976.


من هم أشهر الخونة في المغرب؟
عبد الحي الكتاني
الزوايا في خدمة فرنسا

عندما مات عبد الحي الكتاني سنة 1962 غريبا بمدينة نيس الفرنسية، ترك ما يزيد على خمسمائة كتاب في الفقه والتصوف والسياسة، غير أن اشتهاره كخائن، غطى على قيته العلمية التي لم يعد يذكرها أحد. كما لم يعد أحد يذكؤ أن الكتاني تبوا الرتبة العلمية الأولى بجماعة القرويين، وفتح مكتبة لعموم الطلبة والباحثين، كانت من أكبر المكاتب في المغرب. لم يذكر الناس أيضا أنه ألف كتابا يرد فيه على الحملة الاستعمارية التي تقوم بها جريدة ” السعادة” ضد السلطان مولاي عبد الحفيظ، وأن مولاي عبد العزيز ومولاي عبد الحفيظ ومولاي يوسف ومحمد الخامس قد خصوه بظهائر التوقير. كل هذا اختفى خلف تواطئه مع فرنسا ضد محمد الخامس. فما الذي دفع هذا العالم الصوفي إلى ركوب هذه المغامرة التي انتهت به منبوذا في المنفى؟ يبدو أن حقد الكتاني على العلويين راجع إلى اعتقاله هو وأخيه أبي الفيض، عقب تنازل مولاي عبد الحفيظ عن العرش، وقد ورد في ترجمته بموقع الزاوية الكتانية أنه ” ابتلى فيمن ابتلى في محنة شقيقه الشيخ ابي الفيض واعتقل بسجن أبي الخصيصات بفاس عدة أشهر، لقي الخصيصات بفاس عدة أشهر، لقي أثناءها عكس ما كان يفترض أن يلقاه نتيجة نشاطه الوطني والإسلامي المخلص، سواء من طرف المخزن، أو من طرف وجهاء المغرب”، لذلك كان عبد الحي الكتاني أكثر المتامرين على محمد الخامس تشددا، بحيث إنه لم يكن حتى مع أت يخلف محمد الخامس سلطان علوي كابن عرفة، كما أنه لم يبد رفضا عندما سجد أمامه قايد تارودانت مالك بن لحسن مبايعا إياه.

ولعل هذا وغيره هو ما سيجعل محمد الخامس يتبرأ من الزوايا ويعتبرها منبوذة من الشريعة، ففي رسالة وجهها في غشت 1953 إلى الرئيس الفرنسي فانسان أوريول، قال محمد الخامس:” … وبينما كان باشا مراكش يخوض فيما ذكر، قام رئيس زاوية -أي الكتاني- بحملة أخرى باسم زاويا أخرى نبذتها الشريعة الإسلامية صراحة”.

أما مصدر ” أوال”، المؤرخ عبد الكريم الفيلالي، فيذهب إلى أن الخيانة شيء متأصل في الكتاني وأن تظاهره بالعلم والورع ليس إلا الشجرة التي تخفي غابة فضائحه وانحرافه الجنسي، الذي وصل به إلى حد خيانة ولده واستباحة زوجته، وعن ذلك يقول الفيلالي” المنحرف عبد الحي الكتاني… رواد زوجة ابنه أبو بكر، كما سارت بذلك الأخبار وعرفها أهل فاس”.


من هم أشهر الخونة في المغرب؟
التهامي الكلاوي
مهندس الخونة

يوم 19 ماي 1953، أصدر التهامي الكلاوي بيانا أعرب فيه عن” صداقته وإخلاصه لفرنسا وحقده على محمد الخامس، مؤكدا عليها أنها إما أن تبادر بإبعاد محمد الخامس أو سيتعدوا هم للرحيل…” يؤكد المؤرخ عبد الكريم الفيلالي في كتابه” التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير” بعدها بيومين، أي في 21 ماي 1953 وقع 270 من الباشاوات والقواد عريضة جاء فيها:” إننا معشر القواد في مختلف الجهات المغربية ومن في دائرتهم من المغاربة رجال حركة المعارضة والإصلاح المضين أسفله تحت رئاسة سعادة الباشا الهمام السيد الحاج التهامي المزواري الكلاوي، نتقدم بكل شرف إلى سعادة المقيم العام للدولة الفرنسية الفخيمة بما يأتي: بما أن السلطان سيدي محمد بن يوسف خرج عن جميع رجال المغرب العاملين، واتبع طريقا مخالفا للقواعد الدينية بانتمائه للأحزاب المتطرفة غير المعترف بها وتطبيق مبادئها في البلاد، الشيء الذي جعله يسير بالمغرب في طريق الهاوية، فإننا بصفتنا كبراء المغرب وأصحاب الحل والعقد، ومن ذوي الغيرة على الدين الإسلامي نقدم لسعادة المقيم العام وللدولة الفرنسية طلب عزل السلطان عن الحكم وتنحيته عن العرش وإسناد هذا الأمر إلى من يستحقه”.

بعد انكشاف مؤامرة الكلاوي ضد السلطان الشرعي، خرجت فتوى شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي بكفر الكلاوي ومن معه وإباحة دمائهم، وهي الفتوى التي تبناها 300 عالم من كل أنحاء المغرب، وعززتها يوم 18 يوليوز 1953 فتوى علماء الأزهر” بكفر الجلاوي ومروقه”. ولم يقتصر الأمر على علماء المسلمين، بل تعداه إلى المفكرين الفرنسين، ففي أحد اجتماعات” اللجنة الفرنسية المغربية” بباريس، تناول الكلمة المستشرق الشهير لويس ماسينيون، وشرح للحضور الفرنسي مسألة الشهادة في الإسلام، مؤكدا، حسب ما نقله المؤرخ الفيلالي عن جريدة البصائر، أن الشهادة ” ممنوعة على الماردين من نوع الفساق وأصحاب دور البغاء… وأن باشا مراكش لا يجوز له أن يؤدي شهادة ما، لأنه يكسب عدة دور للبغاء في مراكش ويشرف على السفاح في جميع أطراف المدينة، وقد أحدث هذا الشرح موجة ضحك من طرف الحاضرين”.

بعد عودة محمد الخامس من منفاه، ارتمى التهامي الكلاوي ارتماءته الشهيرة تحت قدميه، ملتمسا عفوه، وبعد صدور لائحة الخونة ورد اسم التهامي الكلاوي، وابنيه ابراهيم واحماد، ضمنها، وحكم عليهم بعدم الأهلية الوطنية لمدة 15 سنة مع مصادرة أملاكهم إلا أن التهامي الكلاوي لم يكن ليعيش خارج ماء السلطة، بحيث سيموت في 13 يناير1956.


عبد الرحمان الحجوي الخائن
الذي اتهم محمد الخامس

عندما أسس محمد اشماعو بمدينة سلا جريدة ” الواداد”،وكلف عبد الرحمان الحجوي، الذي كان مديرا للغولف التجارية، بإرادتها، لم يتوقع أحد من الوطنيين أن تصبح جريدة ” السعادة” لسان حال الإقامة العامة الفرنسية، أكبر بوق مهلل للاستعمار، وضد الوطنيين، بحيث أصبحت هذه الجريدة شيئا فشيئا تتنكر لوطنيتها، وتعلن انحيازها للمستعمر، تارة بمبرر احترام معاهدة 1912، وتارة بمبرر تجنب الفوضى، ثم أخيرا بوقوفها مباشرة ضد محمد الخامس والحركة الوطنية التي أصبحت تعتبرها شيوعية وضد قيم الوطن!

بعد نفي محمد الخامس في 21 غشت 1953، كتبت الجريدة تهانيها شعرا إلى ابن عرفة، وبالبنط العريض، وقد جاء فيها:”فعهد جديدا أتى ؟؟ وعهد قديم مضى _ فأهل وسهلا بيوم؟؟ أضاء بنوره الرضى”. وجزاء لخط تحرير الجريدة، تم تعيين مديرها عبد الرحمان الحجوي مدير للتشريفات في قصر ابن عرفة. وقد زاد هذا التعيين الحجوي حماسا للكتابة ضد الوطنين وضد السلطان الشرعي الذي لم يكن يتورع في رميه بأقذع النعوت، فحينما أصدر علماء” الأزهر” فتواهم بتحريم التعاون مع فرنسا وتفكير كل من فعل ذلك، جاء الجواب سريعا من جريدة الحجوي التي اعتبرت في أحد أعدادها أن حالة محمد الخامس وقد ورد في إحدى افتتاحيات جريدة ” الوداد” التي كان يكتبها الحجوي:” … الذين لا اطلاع لهم على حقيقة السلطان المخلوع ولا يعرفون شيئا عن إلحاده وزندقته إلا ما يتلقونه بواسطة أذنابه الذين هم على حقيقة السلطان المخلوع ولا يعرفون شيئا عن إلحاده وزندقته إلا ما يتلقونه بواسطة أذنابه الذين هم على شاكلته والموجودين عندهم بالقاهرة”.كما أضاف الحجوي في افتتاحيته هذه بأن محمد الخامس” يتلقى الرشوة ويبيع المناصب والوظائف”، قبل أن ينهي مرافعته الملفقة بالتشير ب” العهد الجديد” تحت قيادة ابن عرفة معلنا أن ” الملوك تتبدل والعرش يبقى في الأسرة العلوية”.

وقد صنفت” لجنة تطهير الخونة” عبد الرحمان الحجوي ضمن لا ئحة الأشخاص الذين صدر في حقهم حكم” عدم الأهلية الوطنية، والتجريد من كافة حقوق المواطنين لمدة خمسة عشر عاما، ومصادرة جميع أملاكهم”.


” الحقيقة الضائعة”
هل كان مصطفى العلوي خائنا”

عادة لا يتحدث ” قيدوم الصحفيين المغاربة” مصطفى العلوي، في حواراته وكتاباته، عن تجربته ب” راديو ماروك”، بل يوثر أن يبدأ مساره الإعلامي من مجلة” المشاهد” التي أطلقها العلوي غداة الاستقلال، فهل يعني ذلك أن الرجل يقصى بشكل منهجي هذه التجربة الإذاعية من سجله، اعتبار لكون اسمه ارتبط في ذهن المغاربة بالصحافة المكتوبة؟ أم أنه يهمل، لأسباب فنية، الكلام عن التجربة الأولى، التي عادة ما تشوبها الهواية و الإرتجال؟ أم أن ثمة سرا وراء الأكمة؟

من المعروف ان” راديو ماروك” لم يكن فعلا ل”الماروك” أي المغاربة، بل كان بوقا للخطاب السياسي الإستعماري، ولم يكن يسمح لأي من المواطنين أو المتعاطفين معهم بالإِشتغال فيه، فما الذي كان يقوله العلوي في هذا الراديو.. هل كان يقدم برنامجا للأغاني والأماني؟ ” بل كان مخبرا للفرنسين”! يقول الباحث في مجال التاريخ محمد القاجيري، في سياق حديثه عن الموقف السلبي لمجلة المشاهد الذي كان يديرها العلوي من انتفاضة الريف لعام 1958، والتي لم تكن تتوان في كيل “الأوصاف والنعوت القدحية، خلال فترة الإستعمار، المشابهة لأوصاف مجلة” المشاهد” التي كانت تصدر من سيدة فرنسية ويديرها الأمازيغوفوبي مصطفى العلوي، والذي كان يعمل صحافيا بإذاعة المغرب radio maroc التابعة للإستعمار الفرنسي.

مصطفى العلوي كان يردد “الملك محمد بنعرفة نصره الله، كما جاء في بعض كتب التاريخ. لقد كان” قيدوم الصحافيين بالمغرب”، كما يسمى الان، مدير ورئيس التحرير مجلة ” المشاهد” وصاحب جريدة” الأسبوع الصحافي ” الحالية، يصف سكان الريف المنتفضين في جبال الريف بعدة أوصاف احتقارية مهنية ومشينة… كان يصف الريفيين ب” المعتدين”، “جهال”، “منشقين”. فمثلا يقول في أحد تقارير مجلة ” المشاهد” في عدد يناير 1959 إن ” هؤلاؤ الذين حملوا السلاح واعتصموا بالجبال وقاموا ببعض الاعتداءات أكثر من علة يتذرعون بها، فكلهم جهال قبل كل شيء، ولقد ضرب لهم من دعاهم إلى التمرد على النغمة التي تثيرهم وتجعلهم يسارعون إلى حمل السلاح”. وتبقى الحقيقة الضائعة عما كان يقوله مصطفى العلوي في ” راديو ماروك” هي الفصل المبتور في سجل قيدوم الإذاعيين أولا، والصحافة المكتوبة ثانيا.


علي العلوي الصحفي
الذي ضبط أحرضان متلبسا بالخيانة

يعتبر علي العلوي، أو علي بن الشريف العلوي، كما يحلو له، من أقدم الصحفيين المغاربة الذين بدؤوا مشوارهم المهني على أمواج ” راديو ماروك”، وهي الإذاعة التي كانت بوق فرنسا الاستعمارية، والتي كان من ضمن من عمل فيها في مرحلة الحماية مدير الأسبوع السياسي مصطفى العلوي. فهل كان علي العلوي مجرد موظف محايد؟ أم أنه كان” صحفيا متميزا سخر قلمه الغزير في الدفاع عن قضايا الوطن والتصدي لمؤامرات ودسائس الأعداء”، كما قال عنه رفيقه في الحزب امحند العنصر؟ أم أن الرجل كان صوتا من أصوات “راديو ماروك”. عن ذلك يجيب عبد الكريم الفيلالي في ” التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير” قائلا:” علي العلوي المعروف بفضائحه زمن الاستعمار الفرنسي وما كان يتقيؤه على المغرب والمغاربة بواسطة برنامجه ” بين الشرق والغرب”"، قبل أن يضيف الفيلالي متسائلا:” بربك هل صاحب برنامج ” بين الشرق والغرب”، المحكوم بخيانته والمدرج اسمه في لائحة الذين صدر في حقهم ظهير ملكي يرسم تلك الخيانة منذ شهر مارس 1958، صدر في حقه العفو حتى يصبح نائبا في البرلمان؟”. مسألة ورود اسم علي العلوي ضمن لا ئحة الخونة يؤكدها مؤسس الحركة الشعبية المحجوبي أحرضان في بلاغ الطرد الذي كان قد أرسله إلى علي العلوي، حصلت ” أوال” على نسخة منه، والذي يقول أحرضان فيه:” … لشد ما ذهلت واندهشت وأنا خارج الوطن عندما اطلعت على مقال كتب عنك وعن ماضيك على صفحات الاتحاد الاشتراكي في عددها الصادر يوم عشرين غشت 1963 بمناسبة ثورة الملك والشعب، فانتظرت ردك على المقال وكذيبك لما ورد في حقك من نعت بالتعامل مع سلطات الحماية ضد مقدسات البلاد، بل كنت أنوي مطالبتك بالرد أو الرد مكانك لاعتقادي أن الأمر لا يعدو أن يكون مؤامرة في حقك وفي حق الحركة الشعبية”، ثم يضيف أحرضان مفردا دلائله على خيانة العلوي:” بعد رجوعي إلى أرض الوطن قمت ببحث في الموضوع أكد لي بما لا يدع مجالا للشك أن وصفك بالعمالة مع الحماية ليس تهمة، بل هو واقع يعرفه الكثيرون وزكاه لي ما ورد في الصحيفة 1910 من الجريدة الرسمية (…) بخصوص المسمى الرشاد الذي كان موظفا بإذاعة ” راديو ماروك” في عهد الحماية والذي هو أنت نفسك.”


الصدر الأعظم الحاج محمد المقري
اعتبر أن بقاء محمد الخامس يمس الشعور الديني للمغاربة

” إن إبعاد محمد الخامس سوف لن يكلف أكثر من 24 ساعة من الفوضى والاضطراب، وإن بقاءه بعدما أجمع المجتمعون بمراكش على قيام إمام ثان هو سيده محمد بن عرفة، سيكون خطرا على البلاد، وإن وجود إمامين إمام الرباط واخر بمراكش عمل يمس الشعور الديني، وإذا صح العزم فلتبادر فرنسا بإبعاد عدوها”. إن الذي قال هذا ليس غير الحاج محمد المقري، الصدر الأعظم، أي الوزير الأول لمحمد الخامس وذراعه التي كان يعتمد عليها، فكيف انقلب الوزير على السلطان الذي كان وصيا عليه بعد وفاة والده مولاي يوسف سنة 1930؟
لقد كانت فرنسا، ومنذ توقيع اتفاقية الحماية سنة 1912، تعتبر أن رجلها الأول في المغرب هو الصدر الأعظم الذي ورثته عن السلطان مولاي عبد الحفيظ، الذي كان متزوجا من رقية ابنة المقري. وهو من اختار الأمير سيدي محمد، الذي كان أصغر ابناء مولاي يوسف، حتى يبقى وصيا عليه ويحكم بدله، وقد استطاع المقري، لفترة، أن يستغل وصايته على السلطان، حيث سيوقع الظهير البربري، لكنه لم يكن يعرف أنه بذلك يستعجل نهايته ونهاية فرنسا، فقد شكل حدث الظهير البربري سببا قويا لظهور الحركة الوطنية لكن هذا لا يبرر وحده انصياع صدر الدولة الأعظم وراء الأجندة الفرنسية، وإبعاد السلطان الشرعي. ألم يكن في الأمر مساومة أو ابتزاز للمقري؟ هذا ما يؤكده صاحب كتاب ” التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير”، إذ يقول إنه ” في عهد المولى عبد الحفيظ وبالضبط عام 1910 كان سفر المقري لباريز على رأس وفد… وهي سفارة لم تذكر كثيرا في ترجمة الرجل لأنه حصلت له أثناءها قصة خلقية مع زوجة سائق فرنسي استدرجه الفرنسيون بها حتى قيل إنها حملت منه. وبذلك أصبح المقري مأسورا للفرنسيين طيلة حياته مقابل عدم إفشاء السر”. في شتنبر 1957 توفي المقري عن عمر يناهز 115 سنة، وقد جاءت وفاته بعد ستة أيام من صدور لا ئحة الخونة، التي جردته من حق المواطنة لمدة 15 سنة.


من هم أشهر الخونة في المغرب؟
محمد بن ابراهيم..
شاعر الكلاوي الذي مدح ابن عرفة

بحلول سنة 2010، يكون قد مضى على وفاة شاعر الحمراء، محمد بن اباهيم، خمس وخمسون سنة، فالشاعر الإحيائي، الكلاسيكي، الذي توفي شهرين قبل استقلال المغرب، طبع جيل ما بعد الاستقلال بكامله، كما استطاعت قصائده أن تصلح ما أفسدته مواقفه، إذ من المعروف أن شاعر الحمراء كان مواليا لباشا مراكش، التهامي الكلاوي، كما أنه مدح ” السلطان الدمية” محمد ابن عرفة.. وبالرغم من كل ذلك، فقد غفرت قصائده مساوءه، بحيث سيكلف الملك الراحل الحسن الثاني، قبل مماته، مؤنسه، الفقيه بين بين، بجمع شعر بن إبراهيم، الذي تركه صاحبه، على عادة المراكشيين، منذوا للشفهية.
“… حادثان بارزان في حياته صاحباه حتى الموت: أولهما إدمانه الشراب، وثاتيهما تعرفه على الكلاوي… في الوقت الذي اشتد فيه الصراع بين الكلاوي وسكان مراكس، بل بين الكلاوي والرأي العام الوطني بالمغرب… فلماذا انساق وراء الكلاوي حتى أصبح شاعره المفرزض عليه في وقت لم يكن الكلاوي وأمثاله من الحكام التقليديين يتخذون لهم شعراء يشيدون بأمجادهم ويتحدثون بفضلهم؟. و ربما لم يكن الكلاوي من الذين يضعون الشعر في المكانة التي كان يظنها الشاعر. ومع ذلك، كان شاعره المادح، المبالغ في المدح”، يحكي ويتساءل عبد الكريم غلاب في كتابه” عالم شاعر الحمراء”. ولكن شاعر الحمراء لم يكتف بمدح الكلاوي لوحده بل إنه سبق له أن مدح محمد الخامس، كما مدح ابن عرفة يوم تنصيبه من طرف الكلاوي وفرنسا، ومدح جنرالات فرنسا، بقدر مدح ولي نعمته الحاج التهامي الكلاوي! فما الذي كان يقوله شاعر الحمراء في وعيم الخونة المغاربة التهامي الكلاوي؟
من ضمن ما قاله فيه مدحا، هذين البيتين:
” مثل التهامي ما في الأرض من بطل
شهادة صدرت من أعظم الدول
هذي فرنسا وذا وسام عزتها
وأنت عديم الند والمثل”.
ولم يكن شاعر الحمراء ليمدح الكلاوي دون أن ينسى حاميته فرنسا المستعمرة، وفيها قال:
“هذي فرنسا وهي خير حبيبة للعرش وهو لها أعز حبيب
قد شاركتنا في السرور بعيده
لله ما أحلى اتحاد الشعوب”.
وبمنطق شعراء البلاط المتملقين سيمدح بن ابراهيم” السلطان الدمية” ابن عرفة. بعد أن نصبته فرنسا بتنسيق مع الكلاوي ملكا، بل أن الشاعر سيجد مبررا دينيا لتنصيبه الذي صادف عيد الأضحى، وفيه قال:
” محمد بن عرفة
نصر يوم عرفة
فذاك سر ظاهر
يعرفه من عرفه”.

عن أوال

جرائم آيث بوقبارن بالريف الأمازيغي أحداث انتفاضة 58-59

الجزء الأخير من مشروع كتاب :

“مولاي محند و الحركة الريفية”

للباحث محمد القجيري

المنشور في شهرية تاويزا

من عدد غشت 2006 الى عدد فبراير 2008

1921-1927 (Republic of Rif)

- جرائم آيث بوقبارن بالريف الأمازيغي   :

في الوقت الذي كان فيه من المفروض على الدولة المخزنية برئاسة محمد الخامس ومعه حفنة حزب الاستقلال تحقيق على الأقل بعض مطالب الجماهير الريفية للحد من اتساع رقعة الثورة على الأقل في بعض جهات الريف الأخرى، كان محمد الخامس وطغاة حزب الاستقلال يجتمعون في مجالسهم الوزارية وفي بعض الأحيان الملحونية لاتخاذ مزيد من القرارات الجائرة والظالمة في حق أهالي الريف بهدف إخماد ثورة الريف الديمقراطية. وبعد سلسلة من المباحثات والمداولات التي كان يشرف عليه محمد الخامس في ظل حكومة بلافريج الاستقلالية (21 ماي 1958 إلى دجنبر 1958) التي اتخذت فيه طبعا عدة قرارات تدعو إلى القضاء على ثورة الريف الأمازيغية بشكل سريع، وفي الوقت نفسه كان يعطي فيه محمد الخامس أوامره وتعليماته لأعوانه المستعمرون الجدد في الريف يطلب منهم قمع وسحق الريفيون المنتفضون، أو «المحرضون «و «الدجالون«كما كانوا ينعتون ويصفون من طرف محمد الخامس، جاءت حكومة جديدة، هذه المرة من الجناح اليساري الرديكالي لحزب الاستقلال يرأسها عبد الله إبراهيم، وما يهمنا نحن في هذا السياق هو أن أهم وأخطر المجالس الوزارية التي انعقدت ضد الريف، كانت تلك المجالس المنعقدة في ظل حكومة عبد الله إبراهيم الاستقلالية (24 دجنبر 1958 -23 ماي 1959) التي كانت توصف تلك الحكومة الإرهابية قسرا وافتراءا بالحكومة »التقدمية«طبعا تقدمية في الإرهاب. لقد كان أولى مجالس الإرهابية هو المجلس الوزاري الحربي المنعقد في يوم 26 دجنبر 1958 تحت رئاسة العلوي محمد الخامس الذي خرج بعدة توصيات وقرارات تدعو كلها إلى سحق الانتفاضة الأمازيغية في الريف و قتل ثوارها بالتدخل العسكري و بالأسلحة الثقيلة، وقد صادق على القرار كل من سلطان المخزن محمد الخامس والقيادة العليا للجيش المخزني أمثال الجنرال الكتاني والجنرال أمزيان، هذا دون أن ننسى رئيس أركانها الحسن الثاني، هذا بالإضافة إلى كل من رئيس الحكومة عبد الله إبراهيم ووزير الداخلية إدريس المحمدي ووزير الدفاع المخزني أحمد اليزيدي من حزب الاستقلال الذي كان ضابط سابق في الجيش الفرنسي الاستعماري، علاوة على شخصيات سياسية وحزبية أخرى أمثال علال الفاسي والمهدي بن بركة واللائحة طويلة، وبخصوص هذا الأخير أود أن أذكر هنا أن هذا المدعو المهدي كان قد صرح للصحفي الفرنسي جين لاكوتر (Jean Lacouture ) وقت ذاك أي في سنة 1958 ردا على سؤال حول الأزمة الأمازيغية في المغرب عقب أحداث تافيلات وانتفاضة الريف وقال »…إن المشكلة البربرية المزعومة ليست سوى أحد رواسب السياسة الثقافية التي سلكتها الحماية. فهي ثمرة مدارس الأعيان المخصصة لأبناء الطبقة الأرستقراطية المدينية التي كانت تدرك أهميتها بالنسبة لتكوين ناشئتها… إن الرجل البربري هو، بكل بساطة، شخص لم يسبق له أن ذهب إلى المدرسة. «(أنظر أرضية : الإختيار الأمازيغي).

بعد 11 يوما على القرار المخزني الذي اتخذه المجلس الوزاري الحربي القاضي بسحق الريف وقتل أهاليه، جاءت محطة 6 يناير 1959 ليعطي فيه محمد الخامس مهلة 48 ساعة للسكان الريفيين المنتفضين في جبال الريف لينزلوا من تلك الجبال ويعودوا إلى بيوتهم ومنازلهم ويقبلوا بأمر الواقع المر، وكان ذلك في خطاب إذاعي، أذيع عدة مرات عبر أمواج الإذاعة المخزنية باللغة الريفية، وحول هذا الموضوع كتبت جريدة »لومند«الفرنسية من خلال مراسلها في المغرب في عدد 7 يناير 1959 تقول »في الحقيقة كان نداء الملك موجها للجماهير الريفية بالدرجة الأولى. كانت الإذاعة الوطنية تعيد هذا النداء بانتظام وبلهجة الريف والأمازيغية«.هذا وقد صاحب خطاب محمد الخامس المسموم توزيع 100 ألف منشور بالعربية يكرر فيه ما جاء في نداء محمد الخامس وتحذيره، الذي ألقي بواسطة  الطائرات في عدة مناطق من الريف قبل إلقاء قنابل النابلم، ومما جاء في ختام نداء محمد الخامس إلى سكان الريف »لا نسمح لأي فرد ولا جماعة من الدجالين ودعاة الفتنة والتفرقة بالاستمرار في مخادعة الشعب وتغليطه ومواصلة أعمالهم الهدامة والتآمر على وحدة الوطن واستقلاله. ونحن عازمون على استعمال كل الوسائل للضرب على أيديهم الأثيمة ووضع حد لجرائمهم.( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) «(171).     هذا والجدير بالذكر هنا إلى أن محمد الخامس كان قد سبق له أيضا أن وجه خطاب إذاعي إلى عدة مناطق أمازيغوفونية الثائرة وترجم الخطاب إلى مختلف اللغات الأمازيغية حسب كل منطقة، والذي كان قد وجهه على وجه الخصوص إلى كل من أمازيغ الريف والأطلس والمناطق المحاذية لفاس، علاوة على المنتفضون في تافيلالت وكذلك المنتفضون في المناطق المجاورة للجزائر في ناحية فكيك ووجدة يدعو فيه محمد الخامس سكان تلك المناطق الأمازيغية بالتزام الهدوء وإيقاف الثورة بالعودة إلى حياتهم اليومية السابقة وقبول تلك الحياة الصعبة والمؤلمة، وفي الوقت نفسه يحذرهم من عواقب وخيمة ومن الانتقام إذا لم يعملوا على وقف أعمال الثورة، وحول هذا الموضوع كتبت جريدة »لومند«الفرنسية في عد 4 نونبر 1958 تقول »أقدم الملك على مخاطبة سكان الجبال الساخطين بثلاثة لغات على أمواج الإذاعة الوطنية، فكون الملك اختار استعمال اللغة الأمازيغية بدل لغة الرسول محمد، يعني أن القصر لا يريد تفويت أية فرصة لبسط نفوذه كما أنه أدرك أهمية خصوصيات المناطق الجبلية«.     فعلا لقد هدد محمد الخامس في خطاباته السابقة وخطابه الأخير التحذيري والإنذاري في يوم السادس من شهر يناير 1959 سكان الريف المنتفضون في الجبال بأقصى العقوبات وبالعقاب الشديد، وأنه سيرسل إليهم حملة »تأديبية«لترهيبهم و»تأديبهم«بعد أن تنتهي المهلة المحددة في يومين وبالضبط تنتهي في يوم الأربعاء 7 يناير 1959 والذي سيشهد ذلك التاريخ طرد الصحفية »إيمليا أرغون«من مكتبها بالرباط، التي كانت تنشر من هناك تقارير اخبارية عن أحداث الريف في »التايم«و»اللايف«من خلال علاقتها المباشرة مع بعض ثوار حركة الريف، ويبدو أن المخزن كان يريد من خلال ذلك إخفاء ما سيفعله في حملته على الريف بعد يوم الأربعاء.     لم تكن تهديدات محمد الخامس المخيفة التي كان يطلقها من الرباط، ويأمر فيه المنتفضون الأمازيغ في مرتفعات الريف بأن يوقفوا المقاومة ضد المخزن وحزب الاستقلال وأن ينزلوا من الجبال ويعودوا إلى بيوتهم وديارهم وأن يقبلوا العيش تحت الحكم المخزني والحزبي، أن تمر دون أن يستجيب له بعض معتصمي جبال الريف من الناضور إلى تطاوين ولاسيما بعض الشيوخ والنساء والأطفال وبعض الأسر الريفية التي لبت النداء لسبب من الأسباب قبل الوقت المحدد، الذي كان قد حدده محمد الخامس في يوم الأربعاء 7 يناير 1959 على الساعة الواحدة بعد الزوال، غير أن الجزء الكبير من الريفيين ولاسيما في منطقة آيت ورياغل القوية والشجاعة رفضت الاستجابة لنداء وتهديد محمد الخامس الذي كان يذاع باستمرار في أبواق الإذاعة المخزنية باللغة الريفية -ليس حبا في تلك اللغة وإنما كوسيلة غايتها إبادة تلك اللغة والناطقين بها- ، إلا إذا استجاب المخزن لمطالب حركة الريف العادلة والمشروعة. طبعا كان ذلك في الوقت الذي بدأت فيه جحافل القوات المخزنية تغزو بلاد الريف بقيادة ولي العهد آنذاك الحسن الثاني على رأس عشرون ألف جندي بالكمال والتمام، وأيضا في الوقت الذي بدأت فيه القوات الجوية المظلية تنزل في ميناء الحسيمة الذي كان هذا الأخير محاصر من طرف أصحابه المقاومون الريفيون، وحول هذا الموضوع كتبت جريدة »تراو«(trouw)الهولندية في عدد 9 يناير 1959 تقول »وقد حاصرت مجموعة من المتمردين الأمازيغ، الذين رفضوا الاستسلام، ميناء الحسيمة واختفى خمسون جنديا كانوا في طريقهم إلى مدينة الحسيمة. وفي يوم الثلاثاء كانت هناك مواجهات في المنطقة بين المتمردين والقوات النظامية ووقعت في كلا الطرفين أضرار كثيرة والبارحة تم إرسال قوات تعزيزية إضافية. وحسب الأنباء الواردة من المنطقة، احتل المتمردون مطار الحسيمة«.

أول عمل تكتيكي قام به حكام الدولة المخزنية في بلاد الريف قبل إبادة سكانه، ولاسيما محمد الخامس وعلال الفاسي هو رسم خطة فريدة من نوعها للمكر والغدر والبطش بأولئك الريفيين الذين سينزلون من الجبال التي كانت تحميهم من بطش طغاة المخزن وحزب الاستقلال، إذ مباشرة بعد نداء محمد الخامس الشهير سيقوم الماكر علال الفاسي بعدئذ، وبالضبط قبل انتهاء المهلة بيوم واحد بتوجيه هو أيضا نداء »خداعي«إلى سكان الريف يطلب منهم النزول من الجبال والعودة إلى البيوت، ويوهمهم بأن نزولهم من الجبال سوف لن يصاحب بالاعتقال والمتابعة والعقاب من طرف رجال الدولة، وفي الوقت نفسه يحذرهم من عقاب شديد إذا لم يستجيبوا لنداء محمد الخامس، هذا علاوة على توصية أتباعه في حزب الاستقلال الذين كانوا يحتلون البلاد ويعيثون فيه فسادا بإسماع خطاب محمد الخامس المسموم في قرى ومداشر الريف من أجل أن ينزل المعتصمون الريفيون من الجبال، وفي علاقة بهذا الموضوع كتبت جريدة  »لوموند«في الثامن من يناير 1959 تقول بأنه قبل انتهاء المهلة بيوم واحد وجه »سي علال الفاسي عبر الإذاعة الوطنية نداء من أجل الهدوء وطالب مناضلي حزب الاستقلال بإسماع الخطاب الملكي في قرى الريف«.     طبعا لا نداء محمد الخامس ولا نداء علال الفاسي كان ليجعل الجيش المخزني بقيادة الحسن الثاني يتراجع عن قرار اتخذه في مهاجمة الريف وقتل أبناءه، بقدر ما كانوا يخدعان ويكذبان على الريفيين في النداء، حيث كانوا  يوهمون الأهالي أن نزولهم من الجبل سيكون في صالحهم وأنهم لن يتابعون أو يعاقبوا من طرف رجال المخزن وحزب الاستقلال، لكن الواقع كان غير ذلك، اذ بعد استجابة بعض الريفيين ذوي النيات الضعيفة لنداء الرباط ونزلوا من الجبل الذي كان يحميهم من الإرهاب والتعريب المخزني، سيستغل المخزن الفرصة وتعود حليمة المخزنية إلى عادتها القديمة، حيث سيعود المخزن إلى أسلوبه المعتاد الذي سبق له أن انتهجه لأكثر من مرة في بلاد الريف، وهو أسلوب المكر والغدر والشماتة والبطش والقتل بأولئك الريفيين الذي سينزلون من الجبل، وهذا إنما يذكرنا بأسلوب السفاح المخادع بوشتى البغدادي.

مع وصول التعزيزات المخزنية إلى بلاد الريف والتحاق القوات الملكية المسلحة بمنطقة الريف الأوسط في حالة حرب وغزو في بداية يناير 1959  أو في »عام إقبارن«،كما سيعرف ذلك العام تاريخيا عند سكان الريف أي عام تواجد الخودات العسكرية، سيقوم جنود المخزن أو آيت بوقبارن (أصحاب القبعات الحديدية) بقيادة البوقبار الحسن الثاني بالهجوم على أهالي الريف ومطاردتهم بالكلاب البوليسية، بعد أن خدعوا بأكاذيب الرباط وفاس عبر الإذاعة المخزنية ونزلوا من الجبل الريفي الذي كان يحميهم من بطش آيث بوقبارن، والأدهى من هذا، لم يستثنى من المطاردة المخزنية والكلاب البوليسية حتى الذين لم يطلعوا قط إلى الجبل، وعن هذا الهروب الاضطراري يقول مصطفى أعراب، الصحافي بالإذاعة الريفية بهولندا وصاحب مؤلف حول أحداث الريف لسنة 1959 إن »الروايات الشفوية المتداولة تشير إلى وقائع غريبة. كان المواطنون قد استجابوا فعلا لنداء الملك غير أن القوات الملكية المسلحة التي التحقت بالمنطقة في حالة حرب هي التي أرغمت الجماهير على الهروب إلى الجبال«(172).

وأثناء المطاردة لم يراع آيت بوقبارن إطلاقا التمييز بين الرضيع والطفل والشيخ والمرأة، ومارس خلال الهجوم والمطاردة أبشع أشكال الاضطهاد والإذلال والبطش والقتل في حق سكان الريف، أما الذين لم يقتلوا ووقعوا في أيدي المخزن وميليشيات حزب الاستقلال فقد كانوا ينقلون إلى سجونهم ومعتقلاتهم الجهنمية، وهناك كانوا يعذبون بأبشع أشكال و أساليب التعذيب المعروفة آنذاك، والتي سبق الاشارة الى بعضها،  وفي حالات عديدة كانوا يعذبون حتى الموت للبحث عن المعلومات والانتقام. وإلى جانب التعذيب الجسدي انتهج الجلادون أيضا أسلوب التعذيب النفسي من القذف والشتم بكلمات نابية تحقيرية مخلة بالأخلاق أمام مسمع أسرة الضحية وذلك لإلحاق مزيد من الأذى النفسي بالمعتقلين والمختطفين الريفيين، علاوة على أشكال وأساليب أخرى التي من شأنها أن تحط من كرامة وكبرياء وإنسانية الإنسان الريفي الأمازيغي، ومن نماذج تلك الأساليب الدنيئة التي كان ينتهجها جلادوا المخزن لإحتقار الإنسان الريفي، نورد هنا شهادة أحد ضحايا المخزن الذي كان أوفر حظا بكثير من إخوانه الريفيين الأخرين، يقول »يحزنني كثيرا عندما أتذكر تلك الفضاعات، ويحزنني أكثر عندما أتذكر ذلك “الرجل”الذي لم تراه عيناي المعصبتين، اللتان حجب عنها  النور في دهاليز ثكنة قوات التدخل السريع بمدينة وجدة، عندما قال لي وهو يستعد ليدخل معي في “معركة “التوقيع على المحضر الذي سأحكم به: “وبما أنك ريفي مساخط ديال سيدنا غادي نضيف ليك هدجوج د الكلمات باش نتهلا فيك مزيان أو نغبر دين أماك أولد الريفية الخانزة” «(173) ، ونفس الشيء حصل على سبيل المثال مع المرحوم محمد أكروح بن عمر »ميس ن عمار«الساكن قيد حياته بدوار اغميرن بآيت بوعياش الذي اعتقل في الأسبوع الأول من شهر يناير 1959 من طرف آيث بوقبارن، ومكث ثلاثة أشهر في معتقلات المخزن الرهيبة، حيث ذاق هناك مرارة العذاب وقسوة الضرب وأبشع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي كما تؤكده زوجته علية البقوجي بنت محمد الحاج محمادي بنت فظمة بنت موحند أغدار في ملفه إلى ما يسمى بهيئة الانصاف والمصالحة لطلب التعويض وجبر الضرر إثر اعتقال زوجها المرحوم محمد أكروح خلال شهر يناير 1959 ، والذي نتوفر على نسخة منه.

لم تكن هذه الأعمال الإرهابية وغيرها التي كان يرتكبها جنود المخزن وميلشيات حزب الاستقلال وحزب الإصلاح الوطني أن تمر دون أن ترغم سكان الريف والناجون من بطش »إمخزنيان ن علوي«على الهروب الاضطراري والعودة إلى مرتفعات الريف البعيدة عن قوى الشر المخزنية والحزبية، لحماية أنفسهم وحماية أبنائهم وبناتهم من الاغتصاب والاعتقال والاختطاف والتعذيب والقتل من طرف سفاحوا آيت بوقبارن، وقد بقي هذا التاريخ من الهروب الاضطراري موشوما ومرسوما في الذاكرة الشعبية عند سكان الريف، ويعرف الآن ب »عام ن ثورا«أي »عام الهروب« ، هروبا من التعذيب المخزني و الحزبي التي بقيت ذكراه مشوؤمة و موصومة العار في التاريخ المغربي الرسمي الاستعماري في بلادنا الأمازيغية، و لا تزال الذاكرة الجماعية عند أهالي الريف تحتفظ بأحداثها المأسوية و المؤلمة و تعبر عنه بـ »أعموذ ن يحيى«   للدلالة على التعذيب المبرح  جدا الذي لقاه أهالي الريف على يد جنود الملك، المشابه لحد ما لـ »أعموذ ن حياني«الذي له حكاية أخرى من حكايات مأسي الريف.

أمام هذا الوضع المتطور الخطير أعلنت حركة الريف الأمازيغية أو جبهة النهضة الريفية، الثورة المسلحة على المخزن بأكمله ومقاومة الزحف والعدوان العروبي العسكري على بلاد الريف، وهو ما جعل هذه الثورة الأمازيغية في الريف تتحول إلى ثورة مسلحة كبيرة يستحيل إخمادها بالقوات العسكرية المخزنية العادية، ليعود فيه شبح جمهورية الريف الأمازيغية من جديد بشكل قوي جدا من طرف شعب الريف الأمازيغي آنذاك، إذا لم نرجح ونقول بأن 99 في المائة من الريفيين آنذاك كانوا يريدون استقلال الريف عن دولة المخزن وتأسيس دولة ريفية أمازيغية.

إذن على إثر هذا التطور المفاجئ ستندلع المعارك المسلحة بين الحركة الريفية المسلحة والمستعمرون المخزنيون، الثانية من نوعها بعد حرب الريف بقيادة بطلها مولاي محند، وقبل الدخول في تفاصيلها لابد لنا أن نتطرق ولو في عجالة إلى بعض ما قيل وذكر وكتب عن هذه الانتفاضة الريفية الأمازيغية ضد التسلط العروبي، من خلال بعض المنابر الإعلامية والصحف العالمية، وأيضا المراكشية (المغربية) وخاصة الاستقلالية منها إضافة إلى أعدائها التقليديين، ولنبدأ بالمنابر العالمية التي كانت في مجملها واقعية إلى حد ما والتي كانت تتحدث في قنواتها التلفزية والإذاعية والصحفية عن »حرب أمازيغية عربية«فمثلا في قصاصة »المانشتر كارديان «(Manchester Guardian) كانت تقول في بداية الانتفاضة بأن »الأمازيغ ينتفضون ضد العرب«، أما جريدة »زيت«(ziet)الألمانية فقد كتبت في عدد 14 نونبر 1958 مقالة بعنوان »انتفاضة أمازيغ المغرب«بينما جريدة »تراو«(trouw)و »فولكس كرانت«(volkskrant)الهولنديتين فقد تحدثتا في شهر يناير 1959 عن حرب »بين المتمردين الأمازيغ والقوات النظامية«، وفي نفس الاتجاه تحدثت قصاصة »فرانس أوبسير فاتور«(France abservateur)في بداية الثورة عن انتفاضة الأمازيغ ضد المخزن وحزب الاستقلال وقالت في عدد 3 يناير 1959 بأن »الاضطرابات في الأطلس المتوسط وفي الريف، كان قاسمها المشترك هو العداء لحزب الاستقلال، وضد سياسة الاقصاء والتهميش والتواجد العسكري الأجنبي في شمال إفريقيا«.

أما جريدة (NRC Handelsblad) الهولندية التي ما تزال تصدر لحد اليوم فقد تحدثت في عدد 2 دجنبر 1958 و أيضا في أعداد أخرى عن »ديمقراطية مطالب سكان الريف في مقابل ديكتاتورية المخزن وحزب الاستقلال«،ونفس الشيء بالنسبة لمجلة »الإكسبريس«(l’express)التي كانت حاضرة في المنطقة، وكانت تتحدث خلال الانتفاضة الأمازيغية عن »المشاكل في بلاد الأمازيغ، وعن الريف يتحرك ضد حزب الاستقلال، وعن مطالب الريف العادلة«وهو حال كذلك صحيفة »التايم«البريطانية التي كانت حاضرة في المنطقة من خلال مراسلها ستنالي كارنوف التي كانت موضوعية إلى حد ما في نقل الأخبار الحية عن الريف المنتفض.

بهذا الشكل كانت الصحف العالمية تتحدث عن انتفاضة أمازيغ الريف ضد تسلط الأقلية العربية الحاكمة، في مقابل ذلك كانت الصحف المخزنية والحزبية تصف ثورة الريف الديمقراطية بعدة أوصاف احتقارية، فمثلا كانت جريدة العلم لسان حزب الاستقلال الفاسي تصف الثورة بأنها »مؤامرة تدبر ضد الوطن« ، »مؤامرة وجدت طريقها بين بعض هؤلاء السكان ضد سلطة صاحب الجلالة والنظام الجاري به العمل«، »دسيسة تحاك ضد مكاسب الاستقلال«، »أعمال فوضوية« ،»اضطربات و قلاقل«، كما كانت هذه الجريدة الاستقلالية تصف سكان الريف المنتفضون في جبال الريف بـ »الانفصاليين«، »المتمردون«، »المحرضون« ،»الفتانون«، »أعداء الوطن يستغلون الظروف… «، »ناشري الفتنة«.. وغيرها من الأوصاف والنعوت القدحية المشابهة لأوصاف مجلة »المشاهد«التي كانت تصدر من سيدة فرنسية، ويديرها الأمازيغوفوني مصطفى العلوي، والذي كان يعمل وقت ذاك مخبرا وعميلا للإقامة العامة الفرنسية بالمغرب وصحافي بإذاعة المغرب (Radio Maroc)التابعة للاستعمار الفرنسي. لقد كان هذا المخبر الفرنسي الملقب قسرا بقيدوم الصحافيين بالمغرب، مدير ورئيس تحرير مجلة »المشاهد«وصاحب جريدة  »الأسبوع الصحافي«الحالية يصف سكان الريف المنتفضون في جبال الريف بعدة أوصاف احتقارية مهينة ومشينة، فعلاوة على مثل الأوصاف الواردة في جريدة العلم الاستقلالية النازية كان يصف الريفيون ب »المعتدون«، »جهال«، »منشقين«فمثلا يقول في أحد تقارير مجلة »المشاهد«في عدد يناير 1959 ان »هؤلاء الذين حموا السلاح واعتصموا بالجبال وقاموا ببعض الاعتداءات أكثر من علة يتذرعون بها، فكلهم جهال قبل كل شيء، ولقد ضرب لهم من دعاهم إلى التمرد على النغمة التي تثيرهم وتجعلهم  يسارعون إلى حمل السلاح«.

لقد ظلت مجلة »المشاهد«الفرنسية المغربية طيلة فترة الانتفاضة الريفية الأمازيغية تحتقر الريفيين وتعادي ثورة الريف الأمازيغية، ونفس الشيء عندما سيعمل فيه القومجي عبد اللطيف جبرو الذي سيتولى فيما بعد مكانة ومهمة العميل العلوي ويصبح رئيس تحرير المجلة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا المسمى عبد اللطيف أحد أحفاد أصحاب اللطيف هو من محرفي ومزوري تاريخ المغرب المعاصر بكتابات مثيرة جدا للإشمئزاز والسخرية كما هو الشأن في عموده بجريدة الأحداث المغربية »العروبية«.

كما كانت الصحف المراكشية (المغربية) الأخرى تصف ثورة حركة الريف الديمقراطية بعدة أوصاف احتقارية، تذكر منها »حركة فوضوية«، »حركة تمردية« ، »نزعة انفصالية عنصرية«، »مؤامرة القواد«، »مضادين للنظام«، »منشقين«، »انفصاليين«، »فوضويين« ، »أيادي حفية«…إلخ.

أما محمد الخامس، ففي إطار الدعاية المسمومة التي كان يقوم به ضد حركة الريف الديمقراطية، فقد كان يصف الديمقراطيون الريفيون بـ »المحرضون« ، »الدجالون«، »دعاة الفتنة والتفرقة«، »مدبري الفوضى والانقسام«وغيرها من الأوصاف المخزنية الاحتقارية، كما هي حال أوصاف الاستقلالي الاتحادي المهدي بن بركة الذي كان يصف ثورة الريف الأمازيغية على سبيل المثال ب »الإقطاعية«، وكل هذه الأوصاف المخزنية و الحزبية الاحتقارية التي كانت توصف بها حركة ثورة الريف و زعمائها كانت تكرر باستمرار على ألسن أعداء الريفيين في التصريحات والبيانات و عبر أمواج الإذاعة المخزنية.

إذن بهذه الأوصاف القدحية الاحتقارية كان المخزنيون والحزبيون يصفون أبناء الريف في السنوات الأولى من »الاحتقلال«،بعد أن ضحى الريفيون بالغالي والنفيس في سبيل طرد الاستعمار الأوربي من بلاد الريف وبلاد الأمازيغ عامة دفاعا عن الأرض والشرف الأمازيغي، لكنهم وجدوا أنفسهم مرة أخرى من جديد بعد سنة 1956 أمام استعمار جديد يكرههم و يحكرهم و ينعتهم بعدة أوصاف مشينة ومهينة لما ناهضوا و طالبوا بإرجاع حقوقهم الضائعة والمسلوبة من طرف هذا الاستعمار الجديد، الذي بسبب جوره وإرهابه غير المنتهى، انتفض أهالي الريف ضد هؤلاء المجرمون القتلة وضد حكامهم في فاس والرباط، وهو الشيء الذي جعل سلطان المخزن و حزب الاستقلال محمد الخامس يرسل جيش كبير إلى بلاد الريف لقتل الريفيين مدعم بأحدث التقنيات الفرنسية والآليات الحربية والعسكرية الثقيلة، هذا بالإضافة إلى الطائرات الفرنسية والأمريكية كما تؤكد التقارير الواردة آنذاك بقيادة البوقبار الراحل الحسن الثاني، الذي كان يعسكر في مدينة تطاوين الريفية. ومن هناك انطلق الزحف المخزني نحو ترهيب وتقتيل الريفيين، وكانت البداية الأولى في المناطق المحاذية لتطاوين ثم المناطق المجاورة لوجدة، لتندلع المقاومة الريفية المسلحة في المنطقة الممتدة بين وجدة والناضور إلى تمسمان حتى الجبهة بتطاوين. وقبل أن تصل شرارة الثورة المسلحة إلى قلب الثورة بآيت ورياغر تصدى المقاومون الريفيون لجنود »إمخزنيان ن علوي«في الناضور و في منطقة آيت إسادن و آيت بوفراح و ابقيوين و كل المناطق الممتدة بين تركيست وآيت حذيفة.     و بمنطقة آيت حذيفة الورياغلية قام زعيمها »الجمهوري«عبد الله تهامي الذي سبق له أن فاوض محمد الخامس في قصره بالرباط حول مطالب الحركة الريفية، بالهجوم على المستعمرون المخزنيون وقتل العديد منهم، و تصدى بشراسة للقوات العسكرية الغازية التي كانت في طريقها لإحتلال مدينة الحسيمة والتي كانت مدعمة بالهلوكوبترات والطائرات التي كانت تقذف أطنان من قنابل النابلم المحظورة عالميا على السكان العزل في قرى ومداشر و جبال الريف المنسية، ويعرف ذلك الاصطدام المسلح الدموي عند سكان آيت حذيفة والنواحي بـ »رعام ن رثنين«نسبة إلى المعارك الدامية التي وقعت بين »إريفين ن آيت حذيفة«و»إمخزنيان ن علوي«المعروفة بـ »إثنين«نسبة الى السوق الذي كان يعقد هناك أسبوعيا كل يوم إثنين.     بعد انهزام »أمغار ن آيت حذيفة«عبد الله تهامي أمام »إمخزنيان ن علوي«نظرا لقلة السلاح و قلة عدد المقاومون المسلحون، زحفت جحافل القوات المخزنية نحو العاصمة الريفية أجدير، وفي يوم 13 يناير 1959 الذي يصادف العام الجديد لإيمازيغن احتلت القوات المخزنية الاستعمارية عددا من مواقع الاستراتيجية بإقليم الحسيمة كميناء الحسيمة ومطار الشريف الإدريسي ببوكيدارن بنفس الإقليم، هذا  بالإضافة إلى مواقع أخرى مهمة بالريف، غير أنه بعد أيام معدودة حرر ثوار حركة الريف المسلحة بعض تلك المواقع التي كان يحتلها الاستعمار المخزني، كما حاصر ثوار الريف مطار الحسيمة ومنعوا القوات الجوية الاستعمارية من النزول والهبوط بالمطار.

أمام هذا الوضع الخطير الذي كان يهدد الاستعمار المخزني بالريف، أرسلت القيادة العليا للمخزن مزيد من التعزيزات الجوية و البرية و البحرية وحاصرت بلاد الريف بحرا و برا و  جوا، وأمام الضربات العسكرية المخزنية المتتالية على الريف من جميع الجوانب و الاتجاهات فكت الحصار المضروب على المطار وعلى القوات المخزنية المحاصرة داخل المطار.

طبعا هذه القوات المخزنية الاستعمارية قادها ولي العهد آنذاك الحسن الثاني الذي تعرضت طائرته لطلقات نارية على يد أبطال و أشاوش الريف عندما حاول الهبوط والنزول الاضطراري في مطار الحسيمة الريفي، وبجانب الحسن الثاني قاد العمليات العسكرية أيضا الجنرال الدموي أوفقير الذي قالوا عنه الكثير و أنه شهيد الأمازيغية ! ونسب القول إلى الأمين العام للحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي، المحامي أحمد الدغرني، هذا الأخير الذي سبق له أن صرح في أكثر من تصريح صحفي في دفاعه عن أوفقير بأنه كان يمثل »النزعة البربرية«في الجيش المخزني، وهذا طبعا غير صحيح لأن انقلابه على النظام العروبي الحسني في السبعينات لم ينطلق من الذات الأمازيغية بل انطلق من الأيديولوجية الناصرية والبعثية العروبية وبدعم من اليسار الجذري المغربي ذو التوجه القومجي، الذي كان يحلم بمغرب جمهوري عروبي مفرط استبدادي وحدوي على الشاكلة الناصرية في مصر والأسدية في سوريا والقذافية في ليبيا واللائحة الاستبدادية العروبية طويلة في هذا الجانب.

ولهذا فإن (amziw amazigh) أوفقير، هو عدو الأمازيغية وخان الشعب الأمازيغي، الأولى عندما كان ضابط في الجيش الفرنسي وقاتل إخوانه في اللغة والدم، والثانية عندما كان جنرال في الجيش المخزني وارتكب عدة جرائم إرهابية في حق الشعب الأمازيغي المنتفض، ولاسيما في بلاد الريف أيام صحوته وأيام ما أحوجه إلى من يقف إلى جانبه ويساعده لتحقيق الحلم الأمازيغي الكبير المتمثل في الإطاحة بالنظام العروبي والوصول إلى سدة الحكم وبناء وتأسيس الدولة الأمازيغية الديمقراطية كي يعود التاريخ الأمازيغي إلى مجراه الطبيعي الحقيقي الذي كان من المفروض والعدل أن يبقى فيه منذ زمن بعيد بدل أن يتغير من مساره قسرا إلى مسار عروبي مع وصول الاستعمار العربي الغاشم  الى بلاد تمازغا.

بعد وصول التعزيزات المخزنية إلى بلاد الريف وبالضبط إلى العاصمة الريفية أجدير لتحرير الإرهابيين المحاصرين في مطار بوكيدارن، استشهد العديد من المقاومين الريفيين -رحمة الله عليهم- الذين كانوا يحاصرون مطارهم المحتل من طرف القوات المخزنية الاستعمارية، وأصبح بعدئذ مطار الريف مركزا وقاعدة عسكرية إرهابية للقيادة المخزنية الغازية والمستعمرة، التي كانت من هناك ترسل جيوشها وطائرتها المحملة بقنابل النابلم المسمومة والممنوعة عالميا إلى مدن وقرى ومداشر وجبال الريف، لقصف بها السكان الأمازيغ، الذين كانوا محاصرين من كل الجوانب وأصبحوا عرضة لنيران القوات المخزنية ومطاردين بالكلاب البوليسية وأيضا البشرية (عام ن ضورا )  في كل هذه المناطق الآتية أسمائهم: آيت بوعياش، إمزورن، آيت توزين، أمنود، تازورخت، أسكو، رابع ن توريرت، إمرابضن، آيت عبد الله، آيت حذيفة وغيرها من المناطق الريفية المقاومة التي لم تستسلم للقوات المخزينة إلا بعد أن  أمطرت و قنبلت بالقنابل النابلمية »أرهاج «بشكل عشوائي ومكثف جد، التي لم يستثنى منها حتى الرضع والأطفال والفتيان والنساء والشيوخ والحيوان، إنها فعلا بشاعة بكل المقاييس و بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بشاعة لا تصف، اختلط فيها كل شيء، جثث الريفيين و الريفيات من جميع الأعمار بجثث الحمير والبهائم وغيرها من الحيوان والدواب الذي كان يعتمد عليها الإنسان الريفي الأمازيغي وقت ذاك في حياته ومعاشه، هي بالفعل صور بشعة تذكرنا بصور التي كانت تنقلها القنوات العالمية لشهداء كردستان عندما قصفوا وأبيدوا بالسلاح الكيمياوي المحظور دوليا من طرف سفاحوا العروبة في العراق، وتحيلنا الى التاريخ الدموي الأسود لأعمال أجدادهم العرب المستعمرون على شمال إفريقيا الأمازيغية ولاسيما أعمال سفاحهم الكبير عقبة بن نافع، لعنة الله عليه وعلى أمثاله من المستعمرون العرب على تمازغا الذين استغلوا الدين الإسلامي الحنيف بشكل خبيث جدا للسطو والسلب وسرقة الممتلكات من الأمازيغ واحتلال أراضيهم وترهيبهم وتقتيلهم وغيرها من الأعمال الإجرامية المنافية للإسلام التي انتهجها الاستعمار العربي الإسلاموي في تمازغا منذ عهد الخلفاء الراشيديين مرورا بعهد الأمويين الدمويين والعباسيين الإرهابيين ووصولا إلى زحف الهلاليين المخربين بقيادة زعيمهم أبو زيد الهلالي، أحد أبطال المسلسلات العربية الردئية التي عرضت مؤخرا في السنوات الأخيرة في عدة قنوات وفضائيات عربية يظهر فيه المخرب أبو زيد الهلالي بطلا عربيا، في حين يظهر الأمازيغ أو »البربر«حسب التسمية التي ألصقت عليهم في المسلسل اللاتاريخي أناس همجيون ومعتدون يحاربون ويقاتلون الأبطال العرب المسالمون عير المعتدون في المسلسل، رغم أن  تاريخ السفاح أبو زيد الهلالي معروف بأعماله الهمجية و قسوته الشديد على كل أعدائه العرب وغير العرب، حتى في كتب التاريخ التي كتبت بأقلام عربية تعترف بذلك، بحيث ان جل مؤرخوا العرب يعترفون بهمجية بنو هلال، عكس ما يروج في المسلسلات والأفلام العربية »التاريخية«غير الموضوعية التي يظهر فيه المستعمرون العرب أبطلا يحاربون الشر المتمثل معظمه في العجم، والتي تحاول هذه الفضائيات بكل الوسائل تشويه تاريخ العجم وتاريخ الإنسانية جمعاء.     وحتى لا نخرج عن الموضوع، نعود إلى أحداث الريف في أواخر الخمسينات التي تعرض خلالها الريفيون لإبادة جماعية بدون استثناء الصغير والكبير، في كل جهات الريف شرقا وغربا وشمالا وجنوبا التي زلزلت تلك المناطق بالقنابل المدفعية والنابلمية، و كانت تحدث  دمارا  شاملا و ذعرا كبيرا في أوساط ساكنة الريف ولاسيما عند الأطفال والنساء، ولازال الريفيون الذين عاشوا الحدث المأسوي يتذكرون جيدا هدير أصوات الطائرات وقنابل المدمرة وبشاعة الصور الحية لشهداء القضية الريفية، ضحايا قنابل النابلم المحظورة عالميا.

ولنكن أوضح في هذا الباب، لقد تعرض شعب الريف آنذاك الذي كان يقدر بحوالي مليون نسمة حسب بعض الإحصائيات غير الرسمية لقصف عشوائي مكثف جدا ليل نهار بواسطة الطائرات والمدافع الحربية التي كانت تقذف سمومها على قرى ومداشر وجبال الريف، وكان السواد الأعظم من الضحايا هم المدنيون العزل الذين سقطوا على أيدي الإرهاب المخزني قوامه 20 ألف عسكري بالكمال والتمام ومدعم بالطائرات الفرنسية والأمريكية وبأحدث الأجهزة والآليات العسكرية و الحربية الثقيلة لتي ورثها المخزن عن حامية الاستعمار الفرنسي، الذي كان هذا الأخير يدعم المخزن سياسيا وعسكريا في حربه على الريف لحماية مصالحه في المنطقة، خاصة بعد أن استبعدت اسبانيا من منطقة نفوذها بالريف بدون مصالح مهمة لأسباب غير واضحة.

إذن على إثر هذا الدعم الفرنسي، سيرتكب المخزن ومعه حزب الاستقلال عدة جرائم وأعمال إرهابية في بلاد الريف الأمازيغية بقيامهم بتدمير وتخريب المنشأت والبنيات التحتية الريفية وإحراق مدنها بشكل متعمد جدا بنهج سياسة الأرض المحروقة وقصف القرى والمناطق بأكملها بواسطة الطائرات والمدافع، وأيضا إحراق وتدمير الممتلكات الخاصة بشكل متعمد كذلك، كما عمد الجيش المخزني على استعمال القوة المفرطة جدا في حملاته المسعورة على الريف، بترويع المدنيين وقتل وذبح الناس الأبرياء أمام أسرهم وعائلاتهم، إضافة إلى   الإعدامات الجماعية للمقاومين، التي كانت خارج نطاق القانون على شاكلة الإعدامات التي كان يرتكبها أزلال النظام الصدامي والميلوزفيتشي البائدين، في كل من العرق والبوسنة والهرسك كما شاهدها العالم على القنوات التلفزية العالمية التي كانت تظهر بالصوت والصورة تلك الإعدامات الجماعية لتلك الأنظمة الإرهابية الدموية التي لا تختلف عن تلك الإعدامات المخزنية والاستقلالية والأوفقيرية، وضمن هذا الإطار الضيق، نقتطف بعض ما كتبه جيل بيرو في كتابه »صديقنا الملك«يقول في علاقة بهذا الموضوع »كان القمع في الريف عنيفا وبدون رحمة على الطريقة الأوفقيرية. تم إنزال عشرين ألف رجل على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. قسموا إلى ثلاثة طوابير أرسلت باتجاه الجبل. قام الطيران الذي كان طاقمه القيادي فرنسيا وألوانه، المصبوغة حديثا شريفية، بسحق القرى تحت هول القنابل. كان أوفقير يقود الطابور الرئيسي والحسن يتابع العمليات في الهيلوكوبتر، حاطا على اليابسة من حين إلى آخر لتقبل مراسيم الطاعة.

في هذه الحملة، أضفت إلى الأسطورة الأوفقيرية السوداء بضعة رويات. منها أنه في أحد الأيام كانت مجموعة من الأسرى الذين قدموا إلى الحسن، قد ركعوا أمامه، وحين وقفوا بعد أن حصلوا على العفو عنهم وابتعدوا قليلا وقع انفجار بينهم أدى إلى تمزيقهم إربا، لقد كان أوفيقر قد وضع مازحا، قنبلة مفتوحة في طاقية جلابية أحد الأسرى، وفي مرة أخرى قام أحد الريفيين بإطلاق الرصاص على الحسن لكنه أخطأه فتم اعتقاله.

اقترب منه أوفقير وذبحه قائلا للحسن: “هدية لك يا أميري! “. هل هي روايات غير محققة؟ بالتأكيد، لكن من المعروف أن أوفقير منذ أن كان يعمل لحساب فرنسا -وأيضا في وادي الزم في غشت 1955- كان يحب القيام بهذا النوع الفظيع من الإعدامات العلنية حيث يحافظ على مكان الصدارة لديه.

بقيت حصيلة القمع غير معروفة بالتحديد لكنها قدرت بعدة آلاف من القتلى والجرحى، كان الضحايا بمعظمهم من المدنيين الذين وقعوا تحت قنابل الطيران. وفي ختام الحملة التي قام بها أوفقير بهمة بالغة ضد مواطنيه، رفع إلى رتبة كولونيل. «     كما تعرضت نساء وفتيات وقاصرات الريف لإغتصابات جماعية بشكل همجي وهستيري من طرف الوحوش المخزنية الإرهابية المسعورة أمام مرأى ومسمع الأطفال والعائلات وأسر الضحايا كما تؤكده بعض الروايات الشفوية جدا للريفيين الذين عاشوا الحدث المأسوي، لأن مثل هذه الأعمال الإجرامية لا يمكن التصريح به في المنطقة نظرا لتقاليد وخصوصية الريف التي لا تسمح  بتداول مثل هذه الحقائق.

إذن بهذا الشكل وبهذه الأساليب البشعة الشنيعة جدا التي تجعلنا لحد اليوم لا نثق في المخزن، أخمد بركان الريف بقسوة بالغة وشديدة جدا من طرف الإرهاب الحسني الذي أراد من هذا القمع الشرس إطفاء طموح جمهورية الريف لدى أوساط الريفيين في أواخر الخمسينات، وبدعم من معظم الزوايا السياسية المغربية التي كانت لها مصلحة في سحق الإنتفاضة الريفية مخافة من عودة قائدها و بطلها التاريخي مولاي محند إلى وطنه الريف، لما سيكون ذلك من انعكاس وتأثير كبير على الخريطة السياسية والجغرافية في المنطقة.

وكانت النهاية الدامية والمأساوية لإنتفاضة الريف الأمازيغية الشهيدة والعزيزة على قلوبنا في فبراير1959 بعد اقتحام جبل حمام، آخر معاقل ثورة الريف، غير أن آيت بوقبارن الإرهابيين استمروا في أعمالهم الهمجية الإجرامية حتى بعد إخماد الثورة إلى غاية منتصف الستينات.

وقد بقيت المنطقة حتى ذلك التاريخ منطقة عسكرية استثنائية تحت حكم عسكري استبدادي حسني، مجيشة بالقوات المخزنية الإرهابية الكثيرة العدد والعدة التي لم تبدأ تنقص إلا بعد ثلاث سنوات ونصف من تاريخ نهاية الثورة.

والأدهى من هذا، عاشت منطقة الريف أبشع أشكال الاضطهاد والعنصرية الأبارتيدية اللغوية والعرقية من طرف جنود المخزن و عصابات حزب الفاسي النازي، كما ظلت المنطقة ممنوعة من الصحافة والمنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية والصليب الأحمر والاتصال بالعالم الخارجي .

هكذا حكم على ما تبقى من شعب الريف بأربع سنوات سجنا في سجن كبير يتسع لشعب الريف بأكمله مع العقوبات الزجرية من العنصرية المفرطة والتعذيب والإعدامات والمقابر الجماعية التي كانت منتشرة بشكل كبير جدا في ربوع بلاد الريف، والتي حددت بعض مواقعها بدقة متناهية في وثيقة مولاي محند الشهيرة التي هي عبارة عن رسالة موجهة إلى حسن الوزاني، رئيس حزب الشورى والاستقلال »العروبي«والمنشورة في كتاب »دار بريشة«.

ولتسليط أضواء جديدة بخصوص بعض المقابر الجماعية بالريف، أشير هنا إلى أن أحد قاطني منطقة الريف وبالضبط في حي تشلا بوخا أو »تشلا ن عمار ن بوخار«بآيت بوعياش (إقليم الحسيمة) المطل على إمارة أنكور التاريخية، اكتشف مؤخرا فيهذا العقد الأخير عدة مقابر جماعية أثناء قيامه بتشييد منزله بعين المكان، غير أننا لا نعرف بالضبط لمن تعود تلك المقابر، هل لحرب الريف (1921-1927) أم لإنتفاضة الريف (1958-1959) أم لحدث آخر.

هذا والجدير بالذكر هنا أيضا إلى أن منطقة آيت بوعياش عرفت في العقود الأخيرة عدة حالات من اكتشاف مقابر جماعية أثناء تشييد المنازل، وأيضا في مناطق أخرى، لكن لا أحد يتحرك.

وإزاء هذا، يقتضي الأمر الكشف وفتح كل المقابر الجماعية الموجودة بالريف وتسليم الرفاة إلى أهاليها وذاويها وشواهد الوفاة، والكشف أيضا عن الحقيقة الكاملة بمصير المختطفين الأحياء والأموات منهم، وتحديد المسؤوليات بدون إستثناء الرموز المخزنية الكبيرة ومحاكمة الجناة، والاعتذار الرسمي للدولة من أعلى سلطة في البلاد ، وكشف كل الحقيقة دون زيادة أو نقصان عما جرى لشعب الريف آنذاك، وليس على شكل حقيقة تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة توأمة الإركام في الحكاية والمخزنة، التي تحاول هذه المؤسسة المخزنية بشكل خبيث تحريف وتشويه تاريخ الريف بالقفز على العديد من المعطيات ونعت ثورة الريف الأمازيغية تارة بالتمرد والنزاع وتارة أخرى بنوع من الحرب الأهلية وذلك لإضفاء الشرعية المخزنية على تدخل الدولة بشكل وحشي وهمجي آنذاك في سحق الانتفاضة الريفية، حيث دافعت تلك الهيئة بشكل خبيث على مشروعية الهجوم المخزني على الريف في آواخر الخمسينات، ورأت أن همجية المخزن في تلك الفترة أملته ظروف خاصة لإستتاب الأمن والقضاء على التمرد، كما ذهبت في تقريرها إلى أن ما وقع في الريف هو نوعا من الحرب الأهلية بين الفرقاء السياسيين ونزاع على السلطة لإضفاء مزيد من الشرعية وتبرير التدخل الهمجي في الريف.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن تقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، لم يشير إلى تفاصيل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت في الريف والمناطق الأمازيغية الأخرى ما بين 1956 و 1965، ولم تبدأ تلك الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بتفصيل في التقرير الهيئوي العروبي إلا مع سنة 1965، حيث تحدث التقرير فقط عن الضحايا اليساريون ولاسيما أولئك الذين كانوا رفاق سابقون للأشخاص الذين أنجزوا التقرير، و ذلك ابتداءا من سنة 1965. وهي السنة بالذات التي سقط فيه أولى ضحايهم وهو الجلاد المهدي بن بركة.

لعل ما يثير الانتباه في التقرير النهائي لهيئة الإنصاف والمصالحة المخزني العروبي، هو أن شهداء الأمازيغ الذين سقطوا على أيدي الإرهاب المخزني و حزب الإصلاح الوطني وحزب الإستقلال ولقيطه الإتحاد الوطني للقوات الشعبية في السنوات الأولى من الاحتقلال وأيضا قبله، أصبحوا في التقرير متمردون في حين أصبح العديد من الجلادون في نفس التقرير شهداء و ضحايا بعدما كانوا في السابق يسفكون ويقتلون المقامون الأمازيغ، ومن ضمن هؤلاء »السفاحون الضحايا« !قتلة الشهيد عباس لمساعدي، زعيم جيش التحرير الذي اغتالته أيادي الغدر في سنة 1956.

إن هؤلاء السفاحون المجرمون من حزب الإصلاح الوطني وحزب الإستقلال والمنشقين منه الذين سيسمون فيما بعد باليساريون الثوريون علاوة على المخزن هم الذين ارتكبوا تلك الجرائم الجسدية واللغوية والثقافية والإقتصادية والسياسية وغيرها في حق الشعب الأمازيغي المقهور والمحتل لحد اليوم من طرف هؤلاء العروبيون الحزبيون والمخزنيون، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو كيف يعقل ونحن الأمازيغ على أرضنا أن يحكمنا أناس عروبيون مجرمون قتلة أياديهم ملطخة بدماء الشهداء الأمازيغ الذين كانوا إلى عهد قريب بنسبة كبيرة جدا في دواليب ومؤسسات الدولة وينتمون إلى الحزب النازي العنصري المعروف؟.

هذا الحزب اللاوطني، لازال حتى يومنا هذا يرتكب الجرائم الثقافية واللغوية والاقتصادية… حتى أنه لم يقدم بعد الاعتذار للشعب الأمازيغي على ما اقترفه من أعمال إجرامية لا تغتفر في حق الأمازيغ في السنوات الأولى من ايكس ليبان، ونفس الشيء يقال عن المخزنيون الذين كانوا في السابق يشاركون ويهنئون الاستعمار الفرنسي والاسباني على جرائمهما ضد المقاومون الأمازيغ كما سبق الإشارة إلى ذلك في الأعداد السابقة.

والأدهى من هذا، ان هؤلاء السفلة الحزبيون والمخزنيون وشحوا بعدة أوسمة على صدورهم تتويجا لأعمالهم الإرهابية التي ارتكبها في حق الأمازيغ قبل مفاوضات إيكس لبيان وبعدها، وخاصة من طرف حكام فرنسا والمخزن أمثال دوغول ومحمد الخامس والحسن الثاني، هذا بالإضافة إلى حزب الاستقلال الفاشي الذي بدوره وشح طغاته وطغاة أخرون بعدة أوسمة من مختلف الأنواع والأصناف، وينضاف إليها الأوسمة التي حصلوا عليها من طرف عدة جهات أخرى ولاسيما من طرف أشقائهم في الأنظمة العروبية الاستبدادية، كما هو حال على سبيل المثال لعصابات حزب الاستقلال التي وشحت وبوركت من طرف عدة أنظمة عروبية تتويجا لجرائمها في الريف و المناطق الأمازيغوفونية الأخرى و لتعريبها مؤسسات وإدارات الدولة.

لقد ثبت تاريخيا أن المخزن وحزب الاستقلال وحزب الاصلاح الوطني وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي انشق عن حزب علال الفاسي في بداية سنة 1959 بقيادة المهدي بن بركة، رئيس البرلمان المخزني آنذاك وعبد الله إبراهيم وآخرون الذين شكلوا في البداية »الجامعة الاستقلالية«وبالضبط في يوم 25 يناير 1959 قبل أن تتحول إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في يوم 6 شتنبر من نفس السنة هم الذين ارتكبوا أبشع الجرائم الإرهابية في المناطق الأمازيغية التي انتفضت ضد هؤلاء العروبيون المجرمون القتلة، وضمن هذا الإطار لا بد لنا أن نشير إلى أنه بعد انفصال جناح المهدي بن بركة عن جناح علال الفاسي في حزب الاستقلال. كانت جريدة كل جناح تفضح الجرائم التي كان يرتكبها الجناح الآخر طبعا التوأمان في الإرهاب بالريف، فهنا على سبيل المثال كتبت جريدة »الأيام«في عدد 3 مارس 1959 التي كان يصدرها جناح  علال الفاسي مقالة بعنوان »استغاثة الدماء«ومما جاء فيه: »إن الشعب الذي صهرته المحن وأنهكته التجارب يعلم حق العلم ويدرك تمام الإدراك ويعرف كامل المعرفة من هم الجناة الذين أزهقوا أرواحا بريئة في سبيل تمهيد الطريق الزعامة والارتقاء على جماجم الضحايا البشرية إلى قصة الأطماع الشخصية واحتلال كراسي الزعامة«.

وانطلاقا من كل هذا، يقتضي الأمر الكشف الكامل عن حقيقة عما جرى ومما جرى، ولماذا جرى، ومعرفة كل الجناة الحقيقيون الذين ارتكبوا تلك الجرائم الارهابية و المجازر الرهيبة في حق جزء كبير من الشعب الأمازيغي، وكل هذا كي نطوي صفحة الماضي الأليم ونأخذ العبر من التاريخ حتى لا يتكرر ما وقع، ومن أجل أن نتطلع إلى المستقبل بشكل أفضل وبكل ثقة، كما قال محمد السادس في خطابه الموجه إلى الشعب المغربي الأمازيغي في يوم 6 يناير 2006 بمناسبة انتهاء مهمة هيئة الإنصاف والمصالحة، حيث قال بالحرف الواحد »فنحن حريصون على أن يظل التاريخ، بالنسبة للمغاربة جميعا، وسيلة ناجعة لمعرفة الماضي، وفهم الحاضر، والتطلع للمستقبل بكل ثقة. ومن هذا المنطلق، أصدرنا قرارنا بنشر كل من التقارير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، والدراسة حول حصيلة وأفاق التنمية البشرية ببلادنا، وتمكين الرأي العام من الاطلاع عليهما. وعلى هذا الأساس، يتعين علينا جميعا، علاوة على حفظ هده الحقبة في ذاكرة الأمة، باعتبارها جزءا من تاريخنا، استخلاص الدروس اللازمة منها. وذلك بما يوفر الضمانات الكفيلة بتحصين بلادنا من تكرار ما جرى، واستدراك ما فات«.

بطبيعة الحال، لن تكون هناك مصالحة حقيقية مع الدولة المخزنية بدون معرفة كامل الحقيقة للتاريخ الدموي الأسود للمخزن وحزب الاستقلال ومحاكمة كل الجلادون الأحياء والأموات منهم ولو بشكل رمزي للراحلون وتقديم الاعتذار للدولة من أعلة سلطة في البلاد بشكل علني ورسمي إلى جانب حزب الاستقلال الذي كان جزء لا يتجزأ من دولة المخزن المارقة آنذاك وقوة نافذة في دواليبها ويد الطويل في جرائمها.

لكن بما أن المخزن وحزب الاستقلال يرفضان الاعتراف بجرائمهما في الريف والمناطق الأمازيغية الأخرى، ويرفضان تقديم الاعتذار للشعب الأمازيغي ولا يريدان رفع التهميش والحكرة التاريخية المفروضة على الأمازيغ. فإنه وجب على الجمعيات والمنظمات الأمازيغية في الداخل والخارج أن تكثف من ضغوطتها على المنتظم الدولي وتطالب بمحاكمة الدولة المغربية العنصرية وحزب الاستقلال العروبي الفاشي الذين ارتكبوا أبشع الجرائم الإرهابية ضد الإنسانية التي يحاكم عليها القانون الدولي في محاكم الجزاء الدولية، وأن تحذوا حذو جمعيات ومنظمات البوسنة والهرسك على سبيل المثال التي بفضل ضغوطتها المتكررة حكم المجرم ميلوزوفيتش في محكمة الجزاء الدولية بهولندا.

إن ما حدث في الريف من مجازر رهيبة يجب محاكمة ومحاسبة كل الذين ارتكبوا تلك المجازر بدون استثناء أحد، وليس أن يقتصر الجرم على الآخر فقط، كما تفعل جمعية الدفاع عن ضحايا الغازات السامة بالريف التي تطالب بشكل محتشم ومناسبتي بمحاكمة اسبانيا أو حين تهدد تلك الدولة برفع دعوى قضائية ضدها إذا لم تستجب لمطالبها وتقدم الاعتذار والتعويض للشعب الريفي رغم أن ما تقوم به غير مقنع ويشوبه الكثير من الغموض، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بإلحاح هو لماذا الحديث فقط عن الغازات السامة الاسبانية وعن جرائم تلك الدولة بالريف دون الحديث عن جرائم المخزن ومشاركته بجانب الحركة المورسيكية مع الاستعمار الاسباني في قصف جمهورية الريف بتلك الأسلحة الكيمياوية المحظورة عالميا وإبادة سكانه والاستثناء لقنابل النابلم المسمومة والممنوعة هي أيضا دوليا، التي استعملها المخزن بشكل مكثف في الريف في آواخر الخمسينات من القرن الماضي، هل لأن السبب في ذلك يعود إلى كون قنابل النابلم الخطيرة استعملها المخزن ولم تستعملها اسبانيا والجمعية خائفة من المخزن؟ أم لسبب آخر له علاقة بتواجد أحد أعضائها في دواليب ومؤسسات الدولة المخزنية؟.

إذ من غير المعقول السكوت والقفز على قنابل النابلم المخزنية المسمومة والمحظورة عالميا التي كانت تقذف بأطنان كبيرة وبشكل عشوائي ومكثف جدا في كل قرى ومداشر وجبال الريف المنتفضة و تحدث دمار وذعرا كبيرا في أوساط الريفيين وخاصة لدى الأطفال والنساء، ولازالت أعراضه بادية حتى يومنا هذا من خلال مرض الخوف من المخزن وخاصة لدى الذين عاشوا الحدث الدموي الرهيب، وأيضا من خلال مرض السرطان الخبيث المعروف محليا باسم « Axenzir » ، طبعا هذا دون أن ننسى سببه الآخر المتمثل في الغازات السامة الاسبانية.

وضمن هذا الإطار لابد لنا من الإشارة الى أن جبهة البوليزاريو العروبية اتهمت هي أيضا المخزن باستعماله لسلاح النابلم أثناء نشوب الحرب بين الطرفين، كما أن جيش التحرير الأمازيغي اتهم في شهر فبراير 1958 الاستعمار الاسباني والفرنسي باستعمالهما للغازات السامة في وادي الذهب، ونفس الشيء بالنسبة لأمازيغ آيت باعمران الذين اتهموا الاستعمار الاسباني باستعمال تلك الأسلحة الكيمياوية في منطقتهم في أواخر الخمسينات. وكل هذا وقع أمام مسمع النظام المخزني الذي كان حليف استراتيجي للاستعمار الفرنسي وضد جيش التحرير الأمازيغي.

وهذا ما يثير الكثير من الشبهات حول تواطئ النظام المخزني في المؤامرة الخبيثة المتمثلة في سحق المقاومون الأمازيغ وجيش التحرير بالأسلحة الكيماوية الخطيرة والمحظورة عالميا.

وإزاء هذا، يقتضي الأمر رفع دعوة قضائية ضد كل الدول المتورطة في حرب الغازات السامة بالريف والمناطق الأمازيغية الأخرى، ولاسيما ضد إسبانيا وفرنسا والمغرب ومقاضتهم في محكمة الجزاء الدولية بهولندا، والمطالبة بالتعويضات اللازمة لجبر الأضرار التي لحقت بالمنطقة الأمازيغية وتحديد مسؤوليات ما حدث، وكشف كل الأشخاص الذين ارتكبوا تلك المجازر والجرائم بدون استثناء أحد ومحاسبتهم، وتقديم حكام تلك الدول المتهمة في حرب الغازات السامة و أيضا النابلمية بمنطقة الريف وغيرها الاعتذار للشعب الأمازيغي على كل الجرائم التي ارتكبها في البلاد الأمازيغية وذلك بشكل رسمي وعلني وعبر القنوات التلفزية والإذاعية لإعادة الاعتبار للشعب الأمازيغي المحكور  وغير المعترف به لحد الساعة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ولتحقيق المصالحة الحقيقية التي نريدها نحن الريفيون الأمازيغ وليست المصالحة التي يريدها النظام المخزني ومؤسسته المسماة هيئة الإنصاف والمصالحة، يتعين أولا المصالحة مع أحداث الريف لسنة 58و59 بتحقيق على الأقل المطالب الرئيسية للجماهير الريفية التي أصدرته حركة التحرير والإصلاح الريفية، والتي لازالت مطلوبة بقوة من طرف الجماهير الريفية إلى يومنا هذا، وخاصة مطلب تسيير الريف من طرف الريفيين وذلك بإقرار نظام الحكم الذاتي للريف يتمتع بصلاحيات واسعة جدا في التسيير والتدبير والتنفيذ والتشريع وتنصيص على أن نظام الحكم في المغرب نظام فيدرالي حداثي ضمن دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا، ومن المطالب الأخرى الرئيسية لحركة التحرير والإصلاح الريفية نجد مطلب جلاء حزب الاستقلال عن بلاد الريف وهو مطلب مشروع وعادل جدا ومطلوب بقوة من قبل الجماهير الريفية لحد اليوم، كما هو الشأن في منطقة آيت بوعياش بإقليم الحسيمة التي ندد سكانها مؤخرا بشدة فور علمهم بخبر تأسيس فرع لحزب الاستقلال بالمنطقة، وقد وقعت على إثر ذلك عريضة استنكارية تنديدية ضمت عدة توقيعات من ساكنة المنطقة وخارجها تطالب بجلاء حزب الاستقلال عن المنطقة ومحاكمته، يكفي أن نعلم أن هذا الحزب العروبي العنصري الذي يشبه كثيرا حزب البعث العراقي البائد، هو الذي ارتكب تلك المجازر البشعة في الريف، وهو الذي همش الريف لعقود طويلة في كل الحكومات السابقة التي سيطر عليها من خلال انتهاجه لسياسة إقصاء منطقة الريف من التنمية البشرية بكل ما تحمله هذه التنمية من معنى، كما أن هذا الحزب العروبي النازي يتصدر في الوقت الحالي قائمة المناهضين لمطالب الحركة الأمازيغية التي هي في الأصل مطالب الشعب الأمازيغي ولازال لحد اليوم يحاربها منذ ولادته غير الطبيعية أيام أساطير الحركة اللاوطنية، ألم يصرح الأمين العام لحزب الاستقلال، العنصري عباس الفاسي في الدورة التاسعة للجامعة الصيفية المنظمة من قبل شبيبة حزبه العنصري حين قال : »إن حزب الاستقلال سيكافح لكي لا تكون الأمازيغية لغة رسمية«. و هذا ما يقتضي الأمر أكثر، على الريفيين مواصلة الكفاح لإبعاد هذا الحزب العروبي اللاوطني عن بلاد الريف، و ابعاد كل الأمازيغوفوبيون المتورطون في الجرائم الثقافية و السياسية و الاقتصادية عن مؤسسات الريف.

و الى جانب مطلب جلاء حزب الاستقلال و أمثاله عن بلاد الريف، نجد كذلك في  قائمة مطالب الرئيسية للحركة الريفية لسنة 58/59 مطلب اطلاق سراح المعتقلين و المختطفين الريفيين، و عليه فانه يقتضي اليوم كشف الحقيقة الكاملة عن مصير المختطفين الريفيين و فتح المقابر الجماعية بالريف وتسليم الرفاة و شواهد الوفاة الى ذوي الحقوق. و الى جانب هذا المطلب نجد كذلك في قائمة مطالب الرئيسية للجماهير الريفية التي لازلت مطلوبة بقوة لحد اليوم مطلب عودة مولاي محند، و طبعا اليوم نطالب بارجاع رفاته و دفنه في مقبرة الشهداء بالعاصمة الريفية أجدير بشكل لائق به، يليق بمكانته و وزنه لدى شعب الريف الأمازيغي كرئيس دولة ريفية أمازيغية بامتياز وبدون حضور رجال الدولة المخزنيون والحزبيون ولاسيما أولئك الذين كفاؤوه بعام اقبارن.

و بطبيعة الحال، لن تكتمل المصالحة الحقيقية بين النظام الحاكم وشعب الريف الأمازيغي بدون تحقيق كذلك مطالب الحركة الأمازيغية وعلى رأسها مطلب ترسيم اللغة الوطنية الأمازيغية كلغة رسمية في دستور ديمقراطي شكلا و مضمونا يقر بالهوية الحقيقية للشعب المغربي الأمازيغي و ينص على أن المغرب بلد أمازيغي افريقي يتمتع بأنظمة الحكم الذاتي مع اعتماد مبدأ عدم الافلات من العقاب و توفير ضمانات قانونية و دستورية قوية كي لا يتكرر ما وقع بالريف الأمازيغي.

مــافيا حزب الإستقلال

source: http://www.amazighworld.org/arabic/news/index_show.php?id=1305
أزول ذامغناس
تحية نضالية إلى المعتقلين الأمازيغيين في سجون المخزن المغربي

وإلى كل النفوس الطاهرة من أبناء الأمة الأمازيغية
يفيض الحبر عندما يتعلق الأمر بحزب الإستقلال ورموزه، هذا الحزب الذي لم يحقق غايته ولم يقدم أي شيء يذكر ذا قيمة إيجابية، وكيف لحزب أسسته برجوازية من الفاسيين العنصريين أن يعمل على تسيير شؤون البلاد؟ وهو في الأصل حزب نخبوي غير متمرس في العمل السياسي بالمقارنة مع تمرسه في قمع وقتل وتعذيب المعارضين له، إذن هو حزب (عصابة) برع في تعذيب المعارضين له وزرع الفتن، وحتى إن كان هذا في الماضي فالتاريخ لا يغير من ذاكرة الريفيين شيئا، “حزب الإستقلال عدو الريفيين” .
يخال للريفي أن زمن الرصاص قد ولى ولم تعد المطالبة بحقوقهم ذا فائدة طالما الدولة المغربية منهمكة في ترقيع الطرق وتزفيتها، فمكنسة العهد الجديد (المصالحة)
قد أتت على حساب جثث لآلاف الريفيين مما جاهدوا وقمعوا..لأجل كرامتهم وأرضهم، ينضاف إلى هذه المهزلة تكريم السلطة لحزب الإستقلال وذلك بمنحهم حق تسيير شؤون البلاد(حكومة فاسية)، هذا الحزب الذي لم يتوانى في خدمة مشروعه الجهنمي -تعريب الحياة العامة- وطمر أحداث انتفاضتي 58-59 رغم أن ذاكرة الريفيين لا زالت تحتفظ بذكرى هذه الأحداث الأليمة. وكل الدلائل تشير على أن الحزب ارتكب مجازر جماعية فظيعة جدا انتقاما من المقاومين والمعارضين له خصوصا بمنطقة الريف الأوسط وكزناية وفي هذا الشأن يذكر ذ. الخلوفي الصغير محمد الخطوط العريضة للعلاليين (نسبة إلى علال الفاسي) ومن أهمها: “- احتلال المنطقة الشمالية والريف على الخصوص، وذلك بواسطة نشر عصابات يطلق عليها اسم جيش التحرير، هذه العصابات تتكون أساسا من “أعوان حزب الإستقلال وادعائه ومتوفرة على أحدث الأسلحة عن طريق إسبانيا..” (1)
- إنشاء مراكز للإختطاف والإستنطاق والتعذيب وذلك في كل من جنان بريشة وجنان الريسوني بتطوان وبمركز الشرطة رقم 7 بالدار البيضاء، وكذا تحويل سكن الخطابي نفسه إلى معتقل” (2) وقد أورد الأستاذ أسماء المشرفون على الخطة والتعذيب، ومراكزها، عن المختطفين، والمفرج عنهم..إذن هناك إجماع على أن حزب الإستقلال ارتكبت مجازر جماعية في حق الريفيين والوطنيين من أبناء الشعب المغربي،”كانت الحصيلة ثقيلة جدا وشمل الضرر كل الأطراف عام 1955 المشؤومة، فما بين الفترة الممتدة بين 5 مارس و 25 يوليوز بلغت قائمة الضحايا ما يزيد عن ثلاثة لآلاف وبين قتيل ومفقود، ووصل ععد المختطفين إلى أربعة لآلاف وثماني مائة وخمسة وأربعين ولم يفلت منهم إلا عدد قليل..” (3)
ومن طرائف أو بالأحرى فضائح العمل السياسي لحزب الإستقلال في الماضي “…يقول الفقيه عبد السلام أن بعض زملائه استدرجوه للعمل وسط حزب الإستقلال. فكان، ولمدة طويلة، يحضر حلقات أسبوعية ينظمها أحد القياديين لتوعية الشباب وغرس المبادئ ااوطنية التي غالبا ما كانت تدفع بهؤلاء إلى الخروج للشوارع والأزقة، ضمن طوابير الفئات الشعبية المختلفة، في مظاهرات ضد المستعمر، وتنتهي دائما لصالح العدو، حيث يلحق خسائر في الأرواح بالمواطنين العزل. وكان هذا المنظر يثير اشمئزازه. فلم يستسغ هذه المواجهة غير المتكافئة: طوابير من أبناء الشعب العزل تواجه قوات مدججة بالأسلحة المختلفة، وتنتهي المواجهة بالقتلى والجرحى والأسرى في جانب واحد”(4)، وهذا ما أشرت إليه سابقا على أن الحزب لم يكن له منهجا محددا في عمله السياسي باستثناء بعض الأفكار التي كان يطرحها زعيمهم التاريخي علال الفاسي وبعض كوادر الحزب، أما طريقتهم في التعامل مع المعارضين فكانت إما بالسجن والتعذيب أو بالقتل.
حزب الإستقلال لم يجر سوى المصائب على هذا الوطن، من توقيع معاهدة إيكس ليبان مع فرنسا مرورا بانتفاضة الريفيين وإلى اليوم، هذا الحزب الذي أسس لتمكين البرجوازية الفاسية من السيطرة على البلد، نهجوا أسلوب القمع والترهيب والخطابات “الوطنية” لكسب عطف الشعب المغربي، ولم تكن لهم أدنى رغبة في تحرير المغرب “…جيش التحرير هو الذي أعلن التحرير ولم تكن له أية علاقة بحزب الإستقلال، وحزب علال الفاسي لم يتكلم أبدا عن التحرير، لم يكن حزبا للتحرير، والإستقلال حصلوا عليه من فرنسا. كما أن منطقة جيش التحرير الحقيقية، منطقة المثلث الجهنمي، لم يكن يعرفها علال الفاسي نهائيا” (5). أطماعهم دفعتهم إلى المساومة مع فرنسا على المغرب وعلى منطقة الريف التي لم تكن تحت حماية (إحتلال) فرنسا ولم تكن خاضعة للدولة المغربية آنذلك إلا بعد معارك ضارية راح ضحيتها لآلاف الريفيين وكان مرتكبيها من المخزن المغربي وعصابة حزب الإستقلال مدعومين من فرنسا.
من كل هذا أود التذكير أن كل ريفي يصافح أيادي الإستقلاليين الملتخط بدماء أجدادنا فإنما هو يعطي شرعية لكل تلك المجازر التي ارتكبها حزب الإستقلال في الماضي بل وأنه شريك فيها.

ناس الغيوان.. صدى سنوات الرصاص

source

ناس الغيوان.. صدى سنوات الجمر المغربية

مريم التيجي
الفرقة في أواسط الثمانينيات
الفرقة في أواسط الثمانينيات

كم كان سهلا أن نسمع الآهات الحزينة المنبعثة من حناجر “مجاذيب مجموعة ناس الغيوان” وراء دموع الأمهات المتلفعات بالرداء الأطلسي، الأمهات اللواتي تحملن مشقة الصعود إلى منصة جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة، والتي أنشئت لمداواة جراح الماضي والاستماع -لأول مرة- لمواطنين كانوا محرومين من مواطنتهم إلى عهد قريب، وكان من غير المسموح لهم بتجاوز عتبات بيوتهم بضعة أمتار دون إذن من السلطات المحلية…وحدها مجموعة ناس الغيوان كانت منبر بوح واستماع في “سنوات الرصاص” أو “سنوات الجمر” المغربية.

قد يبدو الأمر مجرد انطباع، ولكن الاستماع من جديد إلى أغاني مجموعة ناس الغيوان، بعد مرور كل هذه السنوات، وبعد انكشاف واقع المغرب بأبعاده الإنسانية والاجتماعية والسياسية، في إطار محاولة طي صفحات الماضي، وفتح صفحات تاريخية جديدة، يساعد على وضع هذه المجموعة التي كان لها صدى عالمي في سياقها التاريخي.

“أولاد أمهاتنا”.. روح النضال

تغنت مجموعة ناس الغيوان بكلمات كانت مصدرها عمق المجتمع، ولم تنسج داخل صالونات فاخرة، أو وراء مكاتب منعزلة. يقول عمر السيد (رئيس فرقة ناس الغيوان) بأن أغلب الكلمات التي تغنت بها المجموعة والتي كانت من إبداع أحد عمالقتها مثل بوجميع، أو العربي باطما، كان مصدرها الأصلي الوالدين، وخصوصا أمهات كل من العربي وبوجمعة وعمر.

ويضيف عمر في حواره مع “إسلام أون لاين.نت” أن وراء مجموعة ناس الغيوان كانت أمهات بدويات أميات، لكنهن كن فيضا من الحكمة والعطف والحنان، كما أن أحاديثهن كانت مرصعة في الغالب بالحكم والأمثال الشعبية، فكانت هي المدرسة الأولى للأركان التي أسست مجموعة ناس الغيوان.

ورغم أن الدراسات التي كتبت حول المجموعة كثيرة فإنها في الغالب ركزت حول الإيقاعات، والألحان، وبعض الجوانب الإنسانية، ولم تتغلغل كثيرا في الشخصيات التي كانت عنوان مجموعة غنائية لا يمكن اعتبارها فقط بصمة لفترة زمنية في تاريخ المغرب، بل يمكن التأكيد أنها كانت انعكاسا حقيقيا وصادقا لمرحلة كاملة.

وفي هذا السياق تقف أغلب الكتابات التي اهتمت بالظاهرة الغيوانية عند الحديث عن كون العربي، وبوجميع وعمر.. جاءوا من الحي المحمدي بالدار البيضاء، لكن القليل من المحبين للأهازيج الغيوانية يعرفون أنهم لم يتابعوا دراستهم، وأنهم عاشوا حياة هامشية أثناء الاحتلال الفرنسي للمغرب.

كما كان بعضهم يتعرض للرش بالمبيدات الحشرية، ويقتات من فضلات المزابل في طفولة بئيسة، يتقاسمها معهم آلاف الأطفال الذين أرغمت السلطات الاستعمارية آباءهم المهاجرين من الأرياف بسبب المجاعات وتوالي سنوات الجفاف، على العيش في “كاريانات” أو عشش خصصت للعمال في المصانع على هامش المدن التي لم يكن مسموحا بولوجها إلا للفرنسيين أو لأبناء العائلات المغربية الكبيرة، أو الذين سبقوا المستعمر للاستيطان بالمدينة.

كما أن أعضاء المجموعة وجدوا في مسرح “الطيب الصديقي” متنفسا جديا خارج دروب وأزقة الحي المحمدي قبل أن يجرفهم نهر الغيوان وينطلقوا في مسار غامض، ما زال محتاجا لأكثر من رحلة استكشاف.

يقول عمر السيد مزهوا إن أحد أصدقائه من المثقفين قال له إن العبقرية تورثها الأمهات وليس الآباء، وإن أغلب العباقرة تكون لهم علاقات متميزة مع أمهاتهم، ويضيف: لقد فهمت بعد سنوات من تجربة ناس الغيوان، لماذا استطعنا أن نصنع شيئا متميزا.. ببساطة لأننا كنا “أولاد أمهاتنا”.

الصوت الصادق للمغرب

ناس الغيوان بقيادة السيد عمر بعد غياب روادها

بالإضافة إلى الأم، كانت للمجموعة مصادر أخرى لكلماتها، حيث تغنوا بأشعار سيدي عبد الرحمن المجذوب، كما كانوا لحن عدد من المجاذيب الذين احتضنتهم شوارع مدينة الدار البيضاء، وأذاقتهم كل صنوف الظلم والفقر والحرمان وجعلتهم يرددون أزجالا رأى فيها البعض جنونا، بينما حولتها مجموعة ناس الغيوان إلى حكم خالدة.

لكل هذه الأسباب كانت مجموعة ناس الغيوان الصوت الصادق للمغرب العميق الذي عاش في كنف قانون الطوارئ، وكانوا منبرا لسنوات الرصاص المغربية، سبق مشروع هيئة الإنصاف والمصالحة بسنوات طويلة.

لقد كانوا مجموعة من المجانين أو المجاذيب بكل ما تحمل الكلمة من معنى، رفضوا أن يتلونوا بأي لون سياسي؛ وهو ما سمح لهم بالاستمرار في البوح بجراح الوطن التي لم تكن تحمل أي لون غير لون الوطن.

رددوا كلام المجاذيب وعاشوا حياتهم، لم يراكموا ثروات يخشون ضياعها، ولم تكن لهم حياة عادية ككل الناس قد يخشون اهتزازها، ترددت فلسفتهم في الحياة في أكثر من مقطع وفي أكثر من أغنية: فقالوا في أغنية “غادي فحالي”:

نقول كلامي غادي فحالي (أقول كلامي وأذهب لحالي)

قولوا لأمي وقولوا لأختي

كلها وفين جاتو

فهاد الزمان كلشي غضبان

المرض والحزون وأنا مخزون

الصبر فصدري جنوي (سكين) مدفون..

في بداية مسيرة مجموعة ناس الغيوان الأسطورية وقبل أن يحملوا اسمهم، ومباشرة بعد أن قفزوا من سفينة المسرح، ودون وعي منهم دخلوا بحر الغيوان ورددوا في رائعتهم “الصينية”:

ياللي ما شفتوني ترحموا عليا

بحر الغيوان ما دخلته بلعاني (عمدا)

زمن غطرسة القوة

الراحل بوجمعة هكور

وحدهم ناس الغيوان سمح لهم بأن يجهروا بأوجاعهم ونغماتهم الحزينة، والثائرة أمام الملك الراحل الحسن الثاني.

يحكي عمر السيد رئيس المجموعة والوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة وبكامل قواه العقلية من المجموعة التي احترقت وهي تمشي على الجمر، في جلسة خص بها “إسلام أون لاين.نت”، قصتهم مع الحسن الثاني الذي استدعاهم لقصره، لكي يسمعوه بعضا من أغانيهم التي ترددت في كل الأرجاء.

وتجنبا لما قد لا تحمد عقباه اختاروا أن يؤدوا الأغاني “الهادئة” أمام الملك، قبل أن يتدخل الحسن الثاني الذي كان مهاب الجانب من الجميع، ويوقفهم ويطلب منهم أن يسمعوه أغانيهم التي تتحدث عن الرشوة وعن فساد الحاكم وغيرها… لينطلقوا بعد ذلك كمن يقدم تقريرا صادقا بين يدي ملك البلاد عما آل إليه حال العباد في زمن كان مجرد الحلم بتغيير الحال يقود إلى المعتقلات السرية.

رغم الاستنطاقات الدورية التي كان يتعرض لها رئيس الفرقة، من قبل الأجهزة الأمنية بعد أية أغنية تصدح بها المجموعة، فإنها استمرت منبرا للبوح والاستماع، التقطت موجاته -في زمن كان فيه الراديو التلفزيون من علامات البذخ الذي لا تنعم به إلا فئات محدودة من المجتمع المغربي- في كل مكان، وردده الفلاحون في البيادر، والتلاميذ داخل ساحات مؤسساتهم.

قبل أن يصرح أحمد بن منصور أحد ضحايا مغرب الاستقلال أمام عدسات التلفزيون في أولى جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة بتاريخ 21/10/2004 بأن أول الانتهاكات طالت الأحرار الذين شاركوا في تحرير البلاد، مفتتحا شهادته بقوله: “.. تعرض بعض رموز الحركة التحريرية في بلادنا إلى حملات رهيبة من طرف قوى البطش والغدر.. حملات تسببت في كثير من النوازل والأزمات والكوارث والمحن، وكشفت بجلاء عن نوايا وأبعاد ومخططات القوى الظلامية حيث امتدت يد الغدر إلى قيادة المقاومة وجيش التحرير.. فأودعت السجن بعض رجالاتها الأفذاذ الذين دوخوا الاستعمار بكفاحاتهم الرائعة وبطولاتهم النادرة”.

قبل هذا التصريح بسنوات طويلة قال مجاذيب الغيوان:

من الظهر طعنتوا الأحرار

واللي جرى راكم عارفينو (ما وقع أنتم تعرفونه)

ارميتونا فالظلام

هاحنايا يا سيدي فردهاته

أغاني من الشجن والأسى

الراحل العربي بوطما

كل شهادات ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في مغرب “سنوات الجمر”، يمكن أن نجد صداها في أغاني المجموعة التي تستحق أن تسمى بأغاني مغرب الاستثناء، نسبة لحالة الاستثناء التي فرضها النظام المغربي عام 1965 ونتج عنها تجميد نشاط الأحزاب وحل البرلمان، وتجميع كل السلطات في يد الملك.

فقد رددت المجموعة باسم المغتربين والمنفيين أغنيتها الحزينة “فين غادي بيا أخويا” المليئة بالحنين للأرض وللتربة، وللخيل والقصبة وغيرها من الصور التي يمثلها الوطن، ومن مقاطعها الجميلة:

فين غادي بيا أخويا فين غادي بيا

دقة تابعة دقة شكون يحد الباس

لا تلومونا ف الغربة يا هاد الناس

لا تلومونا ف الغربـة وُليعة الغربة..

لقد قالت مجموعة ناس الغيوان كل شيء، قبل أن يسمح للضحايا المباشرين بالحديث عن جراح عقود طويلة، وصرخت: في “زاد الهم”:

هذا ابن آدم ولى مقهور.. بانت فيه العلامة

كلامه ولى محصور.. حتى ليوم القيامة..

وفي “مهمومة” إحدى روائع مجموعة ناس الغيوان التي مطلعها:

مهمومة.. أخيي.. مهمومة

مهمومة.. هاد الدنيا مهمومة

تصف واقع الحال حيث ساد الفقر وتفاحش الغنى، إلى أن تعلن سبب ما آل إليه الحال في آخر الأغنية:

لا شورى بقات كل الأفواه مزمومة

يد الطاغي على الوجوه مرسومة

عندما تحدث ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان خلال العقود الماضية وخصوصا المنحدرين من المناطق الأطلسية ومن الصحراء عما تعرضوا له من تجويع، وقتل لحيواناتهم وإحراق لأراضيهم، وهدم لبيوتهم، ومعاناة لأطفالهم… تذكر عشاق ناس الغيوان إحدى أغانيهم التي كانت من أجل فلسطين ومعاناة الشعب الفلسطيني، لكنها بلغة المغربي الشعبي البسيط الذي كان يعيش واقعا يكاد يكون مماثلا “ما هموني”

ماهموني غير الرجال إيلا (إذا) ضاعوا

الحيوط (الجدران) إيلا رابو (تهدموا) كلها يبني دار

ما هولوني غير الصبيان مرضوا وجاعوا

الغرس إيلا (إذا) سقط نوضوا (نقوم) نغرسوا أشجار…

كما كان ناس الغيوان قبل جمعيات “ترنسبارنسي” أول من ندد بالرشوة، وبانتشار الفساد في المغرب، عندما قالوا: “باسمك”

تخلطات الشياه بلا نظام والديب رعاها

كثرات الهموم يا المولى والعين بكــات

الهم سيطر عل ليام وجاب خلاها

الرشوة ولفساد ف الدنيا جات المحنات

الشر والتزوير . . . لحرام والقتل بَّاهَا

عمات لقلوب يا المولى مشات الحياة

لطفك قريب يا سيدي اهدي من عماها

ترجع البشرى يا المولى لدوك الخيات

نهاية أبطال ناس الغيوان

ومن مميزات هذه المجموعة التي لم يكن لأعضائها مستويات تعليمية عالية، وكانوا كلهم منحدرين من حي شعبي فقير، ومن أسر بدوية بسيطة، أنها استطاعت أن تربط بين واقع الحال الداخلي المتميز في الغالب بالظلم، والهزائم التي تجرعتها الأمة ككل، فغنوا من أجل المغربي البسيط الذي يعاني في صمت في زمن لم يعرف الفضائيات ولا التطور الإعلامي الحالي الذي يسلط الضوء على العتمات اليوم، كما غنوا من أجل قضية العرب.

بنفس الألم، وبنفس النغمات الحزينة، والحناجر الصادقة رددوا: “شوفوا العجب”

شوفو لعجب ما بقينا عرب

احنا حيوط قصار جماعة في دوار

فاق الكهف وأصحابه ولا جبنا أخبار

شوفو لعجب جماعة في دوار

لحصاد والدراس فينا لعصا ولبكا علينا

هـا اللي شاد من لقرون فينا وفينا يحلب

شوفو لعجب ما بقينا عرب

احنا حيوط قصار جماعة في دوار

فاق الكهف وصحابه ولا جبنا أخبار

شوفو لعجب ما بقينا عرب

ما انتم كفار ولا مجوس تعبدو النار

ما انتم مـسيح ولا مسلمين منكم لخيار

ما خلصتو لسيرة زين لبها سيد لبرار

شوفو لعجب ما بقينا عرب

مجموعة ناس الغيوان لم تؤمن بالالتزام بمبدأ سياسي معين كما يقول رئيسها عمر السيد، بل آمنت فقط بالالتزام بالفن، معتبرة الفن مثل ذلك الطائر الذي لا ينزل إلى الأرض أبدا، يعيش كل حياته محلقا في السماء، ولا تحتضنه الأرض إلا إذا مات.

حياة أعضائها لا يستقيم معها وصف واحد، فقد وصفهم البعض بالمجانين، في حين وصفهم آخرون بالدراويش، أو المجاذيب. ساروا في طريقهم دون وعي منهم كما يؤكد السيد، كانوا كالنهر المتدفق الذي يجري دون إرادة منه، دون أن يلتفت إلى الوراء.

يفضل عمر السيد أن يصف مجموعته بالمجموعة الصوفية التي انغمست في آلام المجتمع، لكنها اختارت أن تحترق بعيدا عنه.

لقد كان ما يميز المرحوم العربي باطما أحد عمالقة ناس الغيوان أنه كان كثير التأمل، حسب رفيق دربه عمر، كان يقفل على نفسه غرفته ويستمر منعزلا شاردا في عوالمه الخاصة أياما وأسابيع، وكان ذلك أحد العوامل التي تسببت في تدهور حالته الصحية وأنهت حياته بسرعة.

بوجميع الذي تحول بعد سنوات قليلة من العطاء إلى أسطورة قبل أن تنطفئ شمعته ليلة 26/10/1974، كانت نهايته مختلفة، إلا أنها كانت ناجمة أيضا عن حالة الاحتراق بطريقة أخرى، تسببت في إصابته بقرحة المعدة.

علال، اسم آخر من الأسماء التي صدحت في سماء ناس الغيوان، يعيش حالة اضطراب عقلي ونفسي، ويتلقى علاجه داخل أحد مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية بمدينة الدار البيضاء.

لا يريد عمر السيد أن يعترف بأن مجموعة ناس الغيوان خاضت تجربة كانت أقوى منها، جمعت بين الفن والفلسفة والتصوف، وما تزال في حاجة إلى المزيد من الدراسات والأبحاث. لكنه يؤمن بأن مجموعته التي طارت إلى مصاف المجموعات الغنائية العالمية خلال عمر قصير قد “أصيبت بالعين”.

لكن مهما تكن التفسيرات فالمجموعة سطرت قدرها دون وعي منها، وردد أعضاؤها منذ أول أغنية:

أنا راني مشيت والهول اداني (أخذني)

ياللي ما شفتوني ترحموا عليا

والديا واحبابي ما سخاو بيا

بحر الغيوان ما دخلته بلعاني ..

وَالْدِيَّا نَتْرْجَّاكُمْ لاَ تْلُومُونِي فَ الْكِيَّة

وَالْدِيَّا نَتَرَجَّاكُمْ لاَ تْلُومُونِي فَ اْلبَلْيَة

بْلِيتْنِي أَنَا . . . كِيْتِي أَنَا . . . أنْكَبَْتِي أَنَا بَكَّاتْ عَدْيَانِي

وَالْدِيَّا وَاحْبَابِي مَا سْخَاوْ بِيَّا بَحْرَ الْغِيوَانْ مَا دْخْلْتُ بَلْعَاني

وَأَنَا رَانِي مْشِيتْ وَالْهَوْلْ دَّانِي وَالْدِيَّا وَاحْبَابِي مَا سْخَاوْ بِيَّا

بَحْرَ الْغِيوَانْ مَا دْخْلْتُ بَلْعَانِي..

ورغم مرور عقود على ميلاد مجموعة ناس الغيوان فإنها لا تزال تحتل مكانة خاصة في القلوب، وأكبر دليل على مكانة المجموعة في الذاكرة الشعبية المغربية ذلك الرواج الكبير الذي لقيه كتاب “الرحيل” الذي كتبه المرحوم العربي باطما قبل رحيله ولا تزال طبعاته تنفد ثم يعاد توزيعها من جديد، بعد أن وزعت في طبعتها الأولى فقط 10 آلاف نسخة، ولم ينقطع الإقبال عليها رغم مرور سنوات على صدورها.

استمع أيضا: 

الدولة المغربية المستقلة أعدمت 48 شخصا في قضايا سياسية

http://www.almassae.ma/node/10389
ثلاثة فقط من الذين أُعدموا أُدينوا بجرائم الحق العام

منذ الاستقلال، تم تنفيذ عقوبة الإعدام في 51 شخصا، ثلاثة فقط منهم أُدينوا بجرائم الحق العام (متشوق، الزيناني وثابت)، أما الـ48 الباقون فكلهم أُعدموا رميا بالرصاص في قضايا ذات طابع سياسي.

«تدشين» الإعدام بباشا ميدلت

تم تنفيذ عقوبة الإعدام في 51 شخصا في تاريخ المغرب المستقل، حسب معطيات «المرصد المغربي للسجون». فقد انطلق ذلك رسميا -بعد محاكمة وليس المقصود التصفيات التي تمت بالجملة في صفوف المقاومة وغيرها- صبيحة 30 يناير 1961 بإعدام باشا ميدلت، موحى أورا، وهو الوحيد الذي نُفِّذ فيه الإعدام من ضمن الأربعة المحكوم عليهم في هذه القضية، في إطار تمرُّد عامل تافيلالت عدي وبيهي، وهم إضافة لهذا الأخير: موحى أورا، سعيد اليوسي وحدو أوميمون. استفاد الأخيران من عفو الملك الحسن الثاني يوم 9 أكتوبر 1961 (التمرد وقع في عهد محمد الخامس ما بين 18 و22 يناير 1957 خلال زيارته إيطاليا وتكفل ولي عهده مولاي الحسن بالقبض على المتمردين) أما عدي وبيهي فقد توفي قبل ذلك (30 يناير 1961) في مستشفى ابن سينا.
بعد سنة تقريبا من هذا الإعدام الأول، كان السجن المركزي في القنيطرة على موعد يوم 24 يناير 1962 مع إعدام أربعة مقاومين، في إطار «ملف الفواخري». يتعلق هذا الملف بمجموعة محمد بن حمو العياشي، الشهير بـ«الفواخري» والتي اتُّهمت بالتخطيط لاغتيال ولي العهد -آنذاك- مولاي الحسن، شهورا قليلة قبل اعتلائه العرش في مارس 1961. وقد توبع الفواخري ورفاقه العشرة بتهم «حيازة السلاح والإخلال بأمن الدولة والقتل العمد»، وصدرت الأحكام بالمؤبد في غشت 1961 على أربعة أشخاص وبالإعدام على الستة الباقين، وهم: الفواخري، عبد الله بن لحسن الزناكي (قاوم الاستعمار إلى جانب محمد الزرقطوني)، المولات إدريس، أحمد بن محمد تاجا، الجابوني وعمر بناصر، ليُنفذ فيهم الحكم، باستثناء الاثنين الأخيرين.

إعدام مراهق

من الإعدامات المنفذة في منتصف الستينيات إعدام المراهق عبد الرحيم إينوس، الذي لم يكن عمره يتجاوز 17 سنة. فقد أطلق هذا الطفل النار على الضابط لحسن الغول، الذي صفى عددا من المقاومين. وقد صرح عبد الرحيم إينوس أمام هيأة المحكمة العسكرية بأنه قضى على «حياة مجرم اغتال الكثير من أبناء الشعب المغربي البرَرة»… واعتبر ما قام به «واجبا وطنيا»، لأنه تربى على رفض الظلم والاستغلال والخيانة في ظل الاستعمار الفرنسي، «فكيف يقبله في عهد الاستقلال، وهو صادر عن مغاربة ضد مغاربة؟»… وكان حكم المحكمة العسكرية هو الإعدام رميا بالرصاص في حق عبد الرحيم إينوس وفي حق  رفيقه لحسن باشوش.

إعدام الانقلابيين

محكمة عسكرية أخرى وأحكام إضافية بالإعدام، لكنها صدرت هذه المرة بسرعة البرق. ثلاثة أيام فقط هي التي تفصل بين اليوم الذي جرت فيه المحاولة الانقلابية على الملك الراحل الحسن الثاني في قصره في الصخيرات وبين تنفيذ حكم الإعدام في حق العسكريين الذين أُدينوا بقيادة الهجوم (إلى جانب الجنرال محمد المذبوح والليوتنان كولونيل امحمد اعبابو، اللذين قتلا يوم الانقلاب إثر خلاف بين الانقلابيين) الذي تم غداة احتفال الملك الراحل بعيد ميلاده سنة 1971 (10 يوليوز). ففي يوم 13 يوليوز 1971، تم النقل المباشر لإعدام 13 عسكريا، من بينهم 10 من كبار الجيش الملكي (4 جنرالات، 5 كولونيلات وكوماندان واحد) أُدينوا في محكمة عسكرية أُنشئت قبل يوم واحد وأشرف عليها وزير الداخلية آنذاك، الجنرال محمد أوفقير. أوقف المتهمون في ساحة الرماية «المزل» في ضواحي مدينة الرباط (غير بعيد عن قصر الصخيرات) وتم تجريدهم من درجاتهم العسكرية من طرف جنود عاديين ثم رُبِطوا إلى أعمدة وأُطلقت عليهم النار. تم ذلك بحضور الوزير أوفقير والوزير الأول أحمد العراقي وممثلي عائلات بعض ضحايا الانقلاب. وتتحدث بعض الروايات عن تتبع الراحل الحسن الثاني عملية الإعدام من بعيد، متواريا عن الأنظار، بواسطة منظار. وقد رفض بعض العسكريين أن تُعصَّب عيونهم، ولم يكف آخرون عن تكرار عبارة «عاش الملك»، منتظرين معجزة «العفو الملكي» لتنقذهم من الموت في آخر لحظة…

سنة 1973 ورقم قياسي

لم تمض إلا سنة واحدة على الانقلاب الأول وتنفيذ حكم الإعدام في حق المتورطين فيه في وقت قياسي وبإشراف من وزير الداخلية آنذاك، الجنرال محمد أوفقير، حتى بادر الأخير إلى تجريب «حظه» في محاولة انقلابية عسكرية، عُرفت بـ»عملية البُراق» أو انقلاب طائرة «بوينغ 727» الملكية. ففي يوم 16 غشت 1972، استهدف وزير الداخلية والدفاع أوفقير والليوتنان كولونيل محمد أمقران والكومندان الوافي كويرة حياة الملك الحسن الثاني وهو في طائرته العائدة من الديار الفرنسية، بقصفها بواسطة طائرات حربية. هذه المرة، تريَّث الجنرال محمد الدليمي، رجل المرحلة الجديد، في تشكيل المحكمة العسكرية. هكذا بدأت المحاكمة يوم 17 أكتوبر 1972، تحت رئاسة عبد النبي بوعشرين (الذي ترأس أيضا محاكمة انقلابيي الصخيرات)، بمساعدة السكيرج والدليمي. المشكلة أن الأخير كان مع الملك في الطائرة، وبالتالي يمكن اعتباره ضحية /مجنيا عليه تحول إلى قاض وهو ما يُخلّ بمبادئ المحاكمة العادلة طبعا.
وفي يوم 13 يناير 1973، أي بعد 3 أشهر من المحاكمة، أُعدم 11 طيارا (أمقران، كويرة، عبد القادر زياد، حميد بوخالف، عبد العالي المهدي، أحمد بلقاسم، العربي بينوا، الطاهر بحراوي، عبد الرحمان كمون، الحاج العرَبي، اليزيد ميداوي) في شاطئ «الشليحات» قرب القنيطرة. أما أوفقير فقد وُجْد جثة هامدة يوم 17 غشت 1972 (في اليوم الموالي للمحاولة الانقلابية).
في نفس السنة (1973)، تم تنفيذ أحكام إعدام في حق المتورطين في أحداث مولاي بوعزة. ففي 25 يونيو 1973، قُدِّم للمحكمة العسكرية في القنيطرة 149 معتقلا من «الاتحاديين»، على إثر الأحداث التي وقعت يوم عيد العرش -وقتها- (3 مارس) في مولاي بوعزة، قرب خنيفرة، بتهمة تهديد أمن الدولة، وصدر حكم الإعدام في حق 15 منهم.
تم تنفيذ هذه العقوبة القصوى يوم فاتح نونبر، يومين بعد عيد الأضحى، وهكذا تم إعدام 15 شخصا رميا بالرصاص وهم: عمر دهكون، مصطفى أجدايني، محمد بن الحاج الحسين، موحا نايت بري، لحسن آيت عمي، عبد الإله بن محمد، مصطفى يوس، محمد حسن الإدريسي، مبارك بارو، لحسن آيت زايد، حديدو أوموح، عبد الله أمحزون، دحمان سعيد نايت غريس، لحسن تاغجيجت، محمد بن الحسين، المدعو «هوشي مينه»…
وفي 27 غشت 1974، نُفِّذ حكم الإعدام في حق مجموعة أخرى ضمت كلا من إدريس الملياني، محمد المهتدي، بوجمعة جناح، محمد الحجيوي، بوجمعة ميري، سعيد أوخيا وموحا أوحمو.